قبل تاريخ وفا.تي المفترض
بعدين، المحادثات بدأت تتباعد.
الرسائل بقت أقصر.
حياة الباقيين كملت عادي ومليانة شغل، واحتفالات، والتزامات، ومشاريع.
ما أعتقدش إنهم كانوا حابين يتخلوا عني. هما ببساطة كملوا حياتهم وعاشوها، بينما عالمي أنا كان بيصغر ويضيق يوم بعد يوم.
وأنا كنت اتعلمت أرد دايماً بنفس الإجابة الثابتة.
«أنا كويسة. ما تقلقش».
يومها بعد الظهر برضو ما عرفتش أقول حاجة غير كده.
لميت أدويتي، وشلت ورق المستشفيات، وخرجت من العيادة ورجلي كانت ضعيفة لدرجة إني اضطريت أقف شوية قبل ما أطلع على الشارع الرئيسي.
برة، البلد كانت شغالة وعادية جداً زي أي يوم تاني.
الناس ماشية بسرعة، وبتكلموا في التليفونات، وبيعدوا الشارع من غير ما يداروا إن الوقت بالنسبة لي اتحول فجأة لعد تنازلي.
ركبت تاكسي ورجعت على شقتي.
طول الطريق كنت باصص من الشباك من غير ما أركز بجد في أي حاجة. فكرت في المرات اللي أجلت فيها خروجة عشان كنت تعبانة، وفي الفسح اللي عمري ما حجزتها، وكل الحاجات اللي وعدت نفسي هعملها أول ما أحس إن صحتي اتحسنت.
لما وصلت، فتحت الباب وقابلني نفس الهدوء المعتاد.
بس المرة دي حسيت إنه مختلف.
على الترابيزة لسه كان فيه شوية دوا وورق كنت سيبته الصبح. نور العصر كان داخل من الشباك ونازل ديركت على لوحة مش متفنشة.
غروب الشمس بتاعي.
كنت رسمت السما برتقالي من شهور، لما كان لسه عندي صحة أقف ساعات قدام الحامل. دمجت درجات ألوان مختلفة لحد ما وصلت للضوء الدافي ده اللي كان بيفكرني بغروب الشمس في الأيام اللي الواحد بيحس فيها إن كل حاجة ممكن تبدأ من أول وجديد.
بس عمري ما خلصت الميّة.
النص اللي تحت من اللوحة فضل فاضي.
كنت دايماً بقول لنفسي إني هكمل اللوحة دي أول ما أبقى أقوى.
ودلوقتي مبقتش عارفة حتى لو كنت هلحق أشوف غروب شمس تاني ولا لأ.
فضلت واقفة مكاني، ولابسة البلطو لسه، وباصصة على الفراغ الأبيض ده.
طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن تأجيل أي حاجة هو وسيلة عشان نحتفظ بيها لوقت تاني قدام. وفي العصر ده فهمت إن أحياناً ده معناه إننا بنخاطر نخسرها للأبد.
سيبت مفاتيح على الترابيزة ومسكت تليفوني.
فتحت جهات الاتصال.
مشيت صباعي على كذا اسم معروف، بس ما ضغطش على أي واحد فيهم. مكنش عندي طاقة أسمع صوت مليان شفقة. وبرضو مكنش عندي نية أكون أنا الشخص اللي بقطع على حد تاني حياته عشان يبلغه إن حياتي بتوصل لنهايتها.