روحي من 19-23

وفي نفس الليلة، جاءت إليه في الشرفة وهو يحتسي قهوته.
كانت تحمل الكتاب في يدها.

قالت بصوتٍ هادئ يحمل تأثرًا واضحًا.
_أنا قريتها يا أكمل بيه.

قال أكمل وهو يعتدل في جلسته، مبتسمًا.
_عظيم يبقى عرفتي الإجابة.
قطبت جبينيها بحيرة، فسألها هو.
_مين فيهم كان بيحب أكتر… الشجرة ولا الولد؟

جلست على المقعد المقابل له، وصمتت للحظة، تجمع أفكارها ومشاعرها.
قالت ببطء.
_في الأول…
كنت هقول الشجرة طبعًا هي اللي ضحت بكل حاچة.
ادته تفاحها، وبعدين فروعها وبعدين چذعها… مخلتش حاچة لنفسها ده عطاء مفيش بعده عطاء.

سأل أكمل، مدركًا أن هذه ليست إجابتها النهائية.
_وبعدين؟

قالت بصدق مدهش، وكأنها اكتشفت شيئًا جديدًا عن طبيعة المشاعر.
_لكن وأنا بفكر… اكتشفت إن السؤال نفسه ممكن يتشاف بطريقة تانية. الشجرة كانت سعيدة وهي بتدي، سعادتها كانت في عطائها.
لكن الولد… الولد كان بيرجع للشجرة في كل مرة يكون فيها محتاج حاجة يمكن مكنش بيعرف يعبر عن حبه بالكلام أو العطاء، بس حبه كان في إنه مكنش عنده مكان تاني يروحله غيرها كانت هي أصله وجذوره اللي بيرچعلها دايمًا.

صمتت للحظة، ثم قالت الجملة التي أذهلت أكمل ببساطتها وعمقها.
_وفي الآخر… اكتشفت إن الحب مش مين بيدي أكتر الحب ساعات بيكون إنك تعرف مين اللي هترجعله لما الدنيا كلها تجفل في وشك.
الشجرة كانت بتدي كل حاچة عشان هي بتحب، والولد كان بياخد كل حاچة عشان هو بيحبها ومش شايف أمان غير معاها، يمكن الاتنين كانوا بيحبوا بنفس القدر، بس كل واحد بطريجته.

نظر إليها أكمل بإعجاب حقيقي.
لم تجب على سؤاله بإجابة واحدة قاطعة، بل رأت القصة من كل الزوايا، وفهمت أن المشاعر الإنسانية أعقد من مجرد مقارنة بسيطة.
لقد أثبتت له أنها تملك قلبًا قادرًا على الفهم والتعاطف، وعقلًا يرى ما هو أبعد من السطح، حتى في أبسط القصص.

لقد أثبتت له أنها لا تملك فقط ذكاءً، بل تملك حكمة، وقدرة نادرة على الغوص في أعماق النفس البشرية وفهم تعقيداتها.
_إجابتك… أفضل من إجابتي أنا لما قرأتها أول مرة.

في تلك الليلة، أدرك أكمل أن هذه الفتاة ليست مجرد شخص يساعده، أو تلميذة يعلمها.
لقد أصبحت ندًا فكريًا له، ومرآة صافية تعكس له أفكاره وتجعله يرى العالم بعيون مختلفة.
وأدرك أن الإعجاب الذي بدأ يشعر به تجاهها، قد بدأ يتحول إلى شيء أعمق بكثير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *