سمعت كل اللي قالوه حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
الساعة 6:14 مساءً، كان طارق النجار واقف جنب سرير بنته في مستشفى دار الفؤاد في 6 أكتوبر، وصورها صورة عمره ما تخيل إنه يصورها أو ينشرها.
لجين، اللي عندها سبعطاشر سنة، كان لونها شاحب جداً وتحت الملايات البيضا زي الم يت ة. أنبوبة التنفس الصناعي كانوا لسه شالينها من ساعة واحدة بس، بس العلامات الحمرا كانت لسه معلمة حوالين بوقها. شعرها الأسود كان متنعكش على المخدة، وغرز العمليات كانت باينة وطالعة من تحت القميص الطبي بتاع المستشفى.
كانت نجت بمعجزة من انف ج ار شريان في المخ بعد ما وقعت فجأة أثناء تمرين السلة.
الجراح قال إن العملية كانت “سباق مع الزمن بالثواني”.
طارق بعت الصورة على جروب عيلة النجار على الواتساب.
وكتب: “هي عايزه تشوفكم.”
أخوه الأصغر، شريف، رد الأول:
”مش فاضي.. اتصرف أنت.”
بعد دقيقتين، أم طارق، الحاجة فاطمة، أضافت: “هي عاشت خلاص.. بلاش تعمل من مشاكلك دوشة وتوجع دماغنا.”
طارق فضل يبص للشاشة لحد ما الكلام زغلل في عينه.
رد وقال: “تمام، حصل خير.”
وبعدها مشي وراح لحمام المستشفى، قفل الباب على نفسه، وقعد يعيط وحاطط إيديه الاتنين على بوقه.
لطول سنين، طارق كان هو الشخص اللي بيتعتمد عليه في العيلة. صلّح سقف بيت أمه اللي كان بيخر مية من غير ما ياخد منها جني. سلف أخوه شريف 200 ألف جني لما المطعم بتاعه فلس وقفل. كان بيلغي إجازاته وسفرياته في أي وقت العيلة تحتاجه فيه.
ومع ذلك، لما لجين كانت بتموت، اتعاملوا مع نجاتها كأنها حمل وتقيل عليهم ومضايقهم.
الساعة 9:40 بالليل، لجين فتحت عينها.
وهمست: “تيتا ردت عليك يا بابا؟”
طارق أجبر نفسه يبتسم: “هي عرفت إنك بقيتي كويسة وبخير.”
لجين هزت رأسها بضعف، بس الحزن والخذلان كان باين على وشها.
الساعة 9:57، الممرضة دخلت الأوضة بسرعة وشغلت التلفزيون.
المذيعة في قناة إخبارية كانت واقفة بره المستشفى تحت أضواء عربيات الإسعاف والشرطة اللي بتنور وتطفي.
وأعلنت: “بنتابع معاكم تطورات كبيرة ومهمة في حادثة مدرسة الشيخ زايد.. لجين النجار، طالبة عندها سبعطاشر سنة، بيُنسب ليها الفضل في إنقاذ حياة 11 طفل على الأقل.”
طارق اتجمد مكانه.
التقرير عرض فيديوهات كاميرات المراقبة من الجيم والملاعب بتاعة المدرسة.
قبل ما لجين تقع بـ دقائق، كانت شمت ريحة غاز قوية جنبة غرفة الغلايات.
وبدل ما تهرب وتنجو بنفسها، راحت ضربت إنذار الحريق، وحذرت المدربين، وساعدت في إخلاء الأطفال الصغار من النشاط الصيفي اللي كان شغال بعد المدرسة.
التحقيقات اكتشفت بعدين إن كان في كسر في خط الغاز الطبيعي تحت أرضية صالة الألعاب.
رجال الحماية المدنية قالوا إن المبنى كان ممكن ينفجر في خلال دقائق.
ولجين ما وقعتش غير بعد ما شالت طفل عنده تمان سنين وكان مرعوب وخرجت بيه بره.
وبعدين المذيعة كشفت عن حاجة طارق نفسه مكنش يعرفها.
الطفل اللي لجين أنقذته كان ياسين معتز، ابن الوزير معتز الألفي.
الساعة 10:00 بالليل بالضبط، كل القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية كانت بتنقل الخبر.
الصحفيين حاصروا المستشفى.
المحافظ طلع وأشاد بـ لجين علناً.
والوزير معتز الألفي ظهر في بث مباشر، وبيعيط وهو بيشكر البنت اللي أنقذت حياة ابنه.
في الناحية التانية من المدينة، الحاجة فاطمة كانت بتتفرج من الصالون في بيتها.
وشريف كان بيتفرج من كافيه زحمة قاعد فيه.
الاتنين شافوا صورة المستشفى المعروضة جنب العنوان الرئيسي:
البطلة الصغيرة تحارب من أجل حياتها بعد إنقاذ 11 طفلاً.
تليفون الحاجة فاطمة اتزحلق من إيدها ووقع على الأرض.
وشريف وقع تليفؤنه جوه كباية المية اللي قدامه.
وبعدها، وفي نفس اللحظة تقريباً، الاتنين بدأوا يتصلوا بـ طارق.
طارق بص لأساميهم وهي بتنور وبتطفي على شاشة تليفونه.
ولأول مرة في حياته.. داس رفض المكالمة.
الجزء الثاني
على الساعة 10:12 بالليل، طارق كان جايله 17 مكالمة لم يُرد عليها.
تسعة من الحاجة فاطمة.
ستة من شريف.
ومكالمتين من ميرفت مرات شريف، اللي مكنتش اتصلت بـ لجين ولا سألت عليها من يجي سنة.
طارق عمل تليفونه صامت وحطه على السريراوي على الشباك وش ظهره.
لجين كانت نامت تاني.
تنفسها كان ضعيف بس منتظم، في حين إن جهاز متابعة النبض اللي جنب سريرها كان شغال بنغمة هادية ومنتظمة.
طارق قعد ماسك إيدها، والجمهور والمراسليين عمالين يتجمعوا بره مدخل المستشفى.
الساعة 10:26، الممرضة دخلت الأوضة.
— “أستاذ طارق، والدتك وأخوك تحت في الرسبشن،” وقالت: “الأمن منعهم يدخلوا عشان أنت طالب محدش يزوركم.”
طارق بص ناحية الباب.
— “خليهم تحت.”
الممرضة اترددت.
— “والدتك عمالة تقول للناس وللكاميرات إنها هي اللي مربية لجين.”
طارق كان هيموت على نفسه من الضحك.
الحاجة فاطمة مكنتش تحضر من أعياد ميلاد لجين غير مرتين بس طول 17 سنة!
فوتت مسرحيات المدرسة، وماتشات السلة، وعزومات رمضان والعيد، وحتى جنازة مرات طارق (أم لجين).
لما لجين كان عندها عشر سنين، سألت باباها في يوم: ليه تيتا ساكنة على بعد نص ساعة مننا وعمرها ما بتيجي تظورنا؟
طارق مكنش عنده رد ساعتها.
بس دلوقتي بقى عنده إجابة.
— “ما ربتهاش ولا حاجة،” قالها طارق. “دي يلا يلا تعرفها أساساً.”
تحت في الرسبشن، الحاجة فاطمة كانت واقفة قدام كاميرات التلفزيون ولابسة العباية الكحلي اللي بتشيلها للمناسبات والجامع.
— “حفيدتي طول عمرها استثنائية وبطلة،” قالت للمذيعة. “عيلتنا مترابطة جداً وبنحب بعض أوي.”
شريف كان واقف جنبها وبيهز رأسه بوقار:
— “الشجاعة دي واخدها مننا وفي دم العيلة،” أضاف.
ولا واحد فيهم جاب سيرة الرسائل اللي كتبوها من كام ساعة بس!
العرض المسرحي بتاعهم كان ممكن ينجح ويعدي، لولا إن ميرفت مرات شريف ظهرت فجأة!
زقت الناس ودخلت وسط الزحمة، مقطوعة النفس وشكلها غضبان جداً.
شريف حاول يمسكها ويشدها بره، بس هي رفعت تليفونها في وشه.
— “قولهم كتبت إيه!” قالت بصوت عالي.
وش شريف اتغير تماماً.
— “ميرفت، مش وقتها ولا مكانها هنا!”
— “أنت قلت لـ طارق يتصرف وهو مش فاضي عشان كنت قاعد بتتفرج على ماتش الأهلي في القهوة!”
الكاميرات اتلفت ناحيته فوراً!
الحاجة فاطمة قربت وهي مضايقة:
— “دي أمور عائلية خاصة مالهاش لازمة الكلام فيها بره!”
ميرفت بصت لها في عينها مباشرة:
— “أنتِ قلتِ إن لجين مش مشكلتكم ومش وجع دماغكم!”
السكوت نزل على المكان كله فجأة.
المذيعة رفعت المايك ناحيتها:
— “يا مدم فاطمة، أنتِ بعتي الرسالة دي والبنت في أوضة العمليات في جراحة مخ خطيرة؟”
الحاجة فاطمة فتحت بوقها..
ومفيش ولا كلمة خرجت منه!
فوق في الأوضة، طارق كان بتتفرج على البث المباشر على التلفزيون من غير ما يبان على وشه أي تعبير.
الساعة 10:41، الوزير معتز الألفي ومراته سيدة المجتمع رباب الألفي وصلوا من الباب الخلفي المخصص للزيارات الخاصة.
رباب مكنتش حاطة أي ميكب، وعيونها كانت منفوخة من العياط.
ياسين كان ماشي جنبها وحامل في إيده ورقة متطبقة.
كان اتعرض لاستنشاق غاز خفيف ولابس بلاستر فوق حاجبه.
لما دخل أوضة لجين، بقى هادي جداً وبص بصوت واطي:
— “هي دي،” همس لأمه.
رباب الألفي حضرت طارق وقالت وهي بتعيط:
— “بنتك رجعت في وسط النار عشان ابني.. المدرسين قالولها اطلعي بره، بس هي سمعت صوته بيعيط ورجعت جابته.”
طارق بص لوش لجين الشاحب:
— “طول عمرها دماغها ناشفة.”
— “النهاردة، دماغها الناشفة دي أنقذت 11 عيلة من الموت.”
ياسين حط الورقة المتطبقة على الملاية جنب لجين.
كانت رسمة لـ لجين لابس كاب أحمر زي السوبر هيرو وشايلة أطفال وطالعة بيهم من مدرسة بتولع.
طارق بلع ريقه بصعوبة ومسك دموعه.
بره الأوضة، الحاجة فاطمة بدأت تزعق وتصوت إنها ليها حق قانوني تشوف حفيدتها.
وشريف كان بيطلب من الأمن يعيطوا لـ طارق ينزلهم.
أصواتهم كانت مسمعة في المستشفى كلها لحد ما مدير المستشفى جه وحذرهم إنهم لو ماشيوش فوراً هيطلب لهم النجدة ويخرجهم بره.
الساعة 11:03، الحاجة فاطمة بعتت لـ طارق رسالة:
”إحنا غلطنا، بلاش تفضحنا قدام الناس والتلفزيون.”
وشريف بعت رسالة تانية:
”الإعلام بيحور الكلام وبيفهم الموضوع غلط، انزل أصلح الوضع ده.”
طارق قرأ الرسالتين مرتين.
ولا واحدة فيهم كان فيها كلمة “إحنا آسفين”.
ولا واحدة سألت إذا كانت لجين صحيت ولا لأ.
ولا واحدة سألت إذا كان طارق محتاج أي حاجة أو مساعدة.
هم مكنوش فارق معاهم لجين..
كان فارق معاهم نفسهم وشكلهم قدام الناس بس!
طارق فتح جروب العيلة على الواتساب.
تحت كلام أمه القاسي، كانت صورة لجين وهي فاقدة الوعي على سرير المستشفى.
كتب بالراحة:
”أنتم كانت عندكم الحقيقة قبل الأخبار والتلفزيون.. الحقيقة الوحيدة اللي اتغيرت دلوقتي إن العالم كله بقى شايفكم على حقيقتكم.”
وبعدين عمل إزالة للحاجة فاطمة وشريف وميرفت من الجروب.
بعد 30 ثانية، الحاجة فاطمة صرخت في الرسبشن تحت لما المراسليين وصلت لهم سكرين شوتس من الرسائل من مصدر مجهول!
طارق مكنش يعرف مين اللي سربهم.
بس تحت.. ميرفت كانت بتمسح السكرين شوتس بالراحة من تليفونها!
الجزء الثالث
مع شروق الشمس، الحكاية كانت كبرت وأخدت حجم أكبر بكثير.
لجين النجار مابقيتش بس البنت اللي أنقذت 11 طفل..
دي بقت محور حديث مصر كلها عن صلة الرحم، والتعاطف المزيف، والقسوة اللي الناس بتطلعها لما يفتكروا إن محدش شايفهم.
السكرين شوتس ظهرت الأول على صفحة إعلامي معروف.
في خلال ساعة، القنوات الفضائية كانت عرضاها جنب لقاء الحاجة فاطمة في المستشفى.
في نص الشاشة، الحاجة فاطمة بتقول: “عيلتنا مترابطة وبنحب بعض.”
وفي النص التاني ظهرت رسالتها:
”هي عاشت خلاص.. بلاش تعمل من مشاكلك دوشة وتوجع دماغنا.”
على الضهر، الناس على الفيس بوك جابوا مكان مطعم شريف اللي كان لسه فاتحه قريب بالفلوس اللي طارق سلفهاله.
الريفيوهات السلبية والتقييمات بالـ 1 نجوم غرقت الصفحة بتاعته.
شركة كبيرة كانت متعاقدة مع المطعم للوجبات ألغت العقد.
والصحفيين كانوا واقفين بره المطعم مستنيينه.
شريف زعق لـ ميرفت أول ما دخلوا البيت:
— “أنتِ دمرتيني!”
ميرفت كانت واقفة في المطبخ ومربعة إيدها:
— “لأ.. أنا ورّيت الناس أنت إيه على حقيقتك.”
— “دي كانت رسائل خاصة بيننا!”
— “دي كانت رسائل خاصة عن بنت بين الحياة والموت!”
— “أنتِ أحرجتِ أمي قدام الناس!”
— “أمك هي اللي أحرجت نفسها بنفسها.”
شريف مسك مفاتيحه ونزل وايديه بتتراع قبل ما ميرفت تشوفه.
الحاجة فاطمة رفضت تمشي من المستشفى.
فضلت قاعدة في الرسبشن لحد الساعة 4 الفجر، عمالة تقول لأي حد معدي إن طارق عصبي ومبيدمرش الفضل ومضحوك عليه.
في الآخر، الأمن خرجها بره المبنى.
اتصلت بـ طارق من الجاراج بره.
رد عليها بس عشان دكتور لجين كان قايم لسه ومخليه لوحده ثواني.
— “طارق،” قالت الحاجة فاطمة، “لازم تنزل وتقول بيان قدام الناس.”
— “بيان عن إيه؟”
— “قولهم إننا عيلة بتحب بعضها، وإن الرسائل دي اتفهمت غلط.”
— “طب أنتِ كان قصدك إيه؟”
الحاجة فاطمة سكتت.
طارق قرب من الشباك.
الشمس كانت بدأت تنور سماء القاهرة.
— “كان قصدك إيه لما قلتِ إن بنتي مش مشكلتك ومش وجع دماغك؟”
— “كنت متضايقة.”
— “من إيه؟”
— “كان عندي مواعيد وخطط.”
طارق غمض عينه.
كملت هي بسرعة:
— “أنا مكنتش فاهمة إن الموضوع خطير كده.”
— “أنا بعتلك صورة ليها وهي فاقدة الوعي بعد عملية مخ وحياة أو موت!”
— “أنت طول عمرك بتهول الأمور.”
— “الجراح قال لي إنها كانت ممكن تموت في أي لحظة.”
— “كان المفروض تتصل بدل ما تبعت صور ورسائل درامية!”
في حاجة جوا طارق اتكسرت وهديت تماماً.
طول حياته، كل كلام مع الحاجة فاطمة كان بينتهي بالطريقة دي.
تؤذي حد، وبعدين تلف وتدور في الكلام لحد ما تطلع الشخص المصاب هو اللي غلطان وعصبي ومبيفهمش.
طارق قعد سنين يعتذر عن رد فعله على قسوتها.
بس المرة دي.. ماردش ولا جادل.
— “أنتِ مش هتشوفي لجين،” قالها.
الحاجة فاطمة شهقت:
— “أنا تيتا!”
— “أنتِ واحدة بينك وبينها شوية DNA بس.”
— “أنت مش هتقدر تمسحني من حياتكم!”
— “أنا مش محتاج أمسحك، أنتِ مسحتِ نفسك بنفسك.”
وقفل السكة.
لما طارق رجع الأوضة، لجين كانت صاحية.
بصت في وشه:
— “تيتا جت، صح؟”
طارق قرب الكرسي بتاعها.
— “جت بعد ما التلفزيون أذاع الخبر.”
لجين بصت للسقف.
للحظة، شكلها كان يبان أصغر بكثير من 17 سنة.
شكلها كان زي البنت الصغيرة اللي كانت بتقعد جنب الشباك بفستان عيد الميلاد الموف عشان تيتا وعدتها إنها جاية وما جاتش.
— “هي قالت آسفة؟” سألت لجين.
— “لأ.”
لجين هزت رأسها.
طارق كان مستني دموعها، بس مفيش ولا دمعة نزلت.
— “أنا مش عاوزه أشوفها،” قالت لجين.
— “مش هتشوفيها.”
— “ولا حتى بعدين.”
— “ولا حتى بعدين.”
لجين مسكت إيده بضعف.
— “وعمو شريف؟”
— “جه هو كمان.”
— “بعد الخبر؟”
— “أيوة.”
لفت وشها للشباك:
— “يبقى مش عاوزه أشوفه هو كمان.”
طارق حس بغريزته القديمة بتتحرك جواها..
غريزة إنه يبرر تصرفات شريف، ويهون قسوة أمه، ويحافظ على منظر “العيلة” اللي عمرها ما حمتهم.
بس المرة دي.. قاوم الغريزة دي بكل قوة.
— “تمام،” قالها.
الساعة تمانية الصبح، الدكاترة أكدوا إن عملية لجين نجحت تماماً.
هتحتاج شهور علاجي وتأهيل، وأشعة متابعة، ومفيش رياضة عنيفة لفترة، بس مفيش أي ضرر دائم في المخ.
طارق قعد على الكرسي ومش قادر يشيل نفسه من الفرحة أول ما سمع الخبر.
رباب الألفي، اللي فضلت في المستشفى مع ابنها ياسين، غطت وشها وعيطت من الفرحة.
ياسين أصر يكون أول زائر يدخل لـ لجين بعد ما الدكاترة خرجوا.
وقف جنب سريرها وفتح الرسمة بتاعته.
— “أنا رسمتك أطول من رجال المطافي،” شرح لها.
لجين ابتسمت بضعف:
— “أنا مش طويلة كده.”
— “أنتِ كنتِ طويلة وأنتِ شايلاني وطالعة بيا بره.”
— “أنا كنت بشدك.”
— “أنا حسيت إنك شايلاني.”
ياسين شاور على الكاب الأحمر:
— “ماما بتقول الأبطال مش دايماً بيلبسوا كاب، بس أنا شايف إنك لازم تلبسيه.”
لجين ضحكت، وبعدين حطت إيدها على رأسها من الوجع.
الصوت خض طارق، بس الممرضة ابتسمت.
— “ده أحسن صوت سمعناه في الأوضة دي من إمبارح،” قالت الممرضة.
على مدار اليومين اللي بعدهم، الورد والجوابات والهدايا غطوا الدور كله في المستشفى.
أهالي الـ 11 طفل اللي لجين أنقذتهم كانوا بيجوا واحد ورا التاني.
في أهالي حضنوا طارق وبيعيطوا.
وفيه أهالي قعدوا ساكتين جنب سرير لجين ومش عارفين يلاقوا كلام يوصف مشاعرهم.
راجل اسمه أحمد الجمال جه ومعاه بناته التوأم عندهم 6 سنين، جنى وفريدة.
لجين كانت مأكلاهم وممشياهم في الممر اللي مليان دخان وهي مخلياهم ماسكين في التيشيرت بتاعها من ورا.
واحدة شغال في الكانتين اسمها أم عبده قالت إن لجين ساعدتها تقفل محبس الغاز الرئيسي قبل ما النار توصل للفرن في المطبخ.
مدير المدرسة اعترف إن قرار لجين إنها تضرب إنذار الحريق من غير ما تستأذن هو اللي منع كارثة محققة.
لجين كانت بتسمع وهي مكسوفة ومش مرتاحة للشهرة:
— “أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله،” كانت بتقول كده كل مرة.
— “لأ،” طارق قال لها بعد ما آخر زائر مشي. “أنتِ عملتِ اللي كل الناس بتتمنى إنها تعمله لما تتحط في موقف زي ده.”
في اليوم التالت، الوزير معتز الألفي عمل مؤتمر صحفي بره المستشفى.
أشاد بـ لجين جداً، بس رفض تماماً يتكلم عن الحاجة فاطمة أو شريف.
— “الموضوع لازم يفضل عن شجاعة بنت صغيرة،” قال الوزير، “مش عن ناس كبار بيحاولوا يسرقوا اللقطة منها.”
البيان ده اتنشر في كل الجرايد والمواقع.
بعد الضهر، شريف بعت رسالة اعتذار.
كانت عبارة عن 6 فقرات.
شرح فيها إنه كان مضغوط، وإن المطعم كان بيخسر، وإن طارق دايماً بيكبر المواضيع، وإنه مكنش يتوقع إن الإعلام يدخل في الموضوع.
والجملة الأخيرة كانت:
”أنا آسف إن الموضوع خرج عن السيطرة كده.”
طارق ورّى الرسالة لـ لجين.
قرأتها مرة واحدة.
— “هو زعلان إن الناس شافت الرسالة،” قالت لجين.
— “أيوة.”
— “هو مش زعلان إنه كتبها.”
— “لأ.”
لجين رجعت التليفون:
— “يبقى ده مش اعتذار.”
طارق مسح الرسالة.
الحاجة فاطمة حاولت تلعب لعبة تانية.
اتصلت بقناة فضائية وعرضت تعمل لقاء حصري عن “العيلة اللي ورا بطلة مصر الجديدة”.
القناة رفضت فوراً بعد ما المعدين شافوا السكرين شوتس.
نزلت بيان طويل على الفيس بوك بتقول إن كلامها اتفهم غلط، على الرغم من إن الدليل كان رسالتها هي بصوتها وخط إيدها!
اتهمت ميرفت بالخيانه، واتهمت طارق إنه بيستغل مرض بنته عشان يعمل شو.
البيان ده خلى الموقف أسوأ بمراحل.
الجيران اللي كانوا بيحترموها بدأوا يتحاشوها وما يسلموش عليها.
جمعية تحفيظ القرآن والخير في المنطقة شالوها من مجلس الإدارة بعد ما أعضاء كتير اشتكوا.
أخيراً أخدت الاهتمام والتسليط الأضواء اللي كانت عاوزاه.. بس مش بالطريقة اللي كانت تقدر تتحكم فيها!
وضع شريف انحدر أسرع وأسرع.
المطعم بتاعه خسر زباين كتير جداً لدرجة إنه قفله مؤقتاً.
فضل يتصل بـ طارق كتير، ويترجاه يطلعوا في فيديو مع بعض يقولوا إنهم اتصالحوا.
طارق رفض.
— “أنت مديون لي!” شريف قال في آخر مكالمة.
طارق استغرب من البجاحة!
— “أنا مديون لك؟”
— “أنت مستثمر معايا في المطعم، لو قفل أنت هتخسر فلوسك هي كمان.”
— “أنا خسرت الفلوس دي خلاص.”
— “أنت مش عارف كده.”
— “لأ عارف.”
شريف وطي صوته:
— “أنت هتسيب أخوك يخسر كل حاجة عشان رسالة واتساب؟”
طارق بص من شباك المستشفى على لجين وهي بتاخد أول خطواتها في الممر بمساعدة الدكتور.
— “لأ،” رد طارق. “أنت خسرت كل حاجة عشان الرسالة دي ورّت الناس حقيقتك.”
شريف شتمه.
طارق قفل السكة في وشه وعمل لرقمه بلوك.
لجين خرجت من المستشفى بعد 12 يوم من العملية.
مئات من الناس كانوا واقفين بره، بس إدارة المستشفى خرجتهم من باب خلفي خاص.
مكنتش عاوزه الكاميرات تصورا وهي على كرسي بعجل.
كانت عاوزه ترجع البيت، تاكل شوربة طماطم، وتنام في سريرها.
ياسين زارها بعد أسبوع.
جاب معاها رسمة جديدة، المرة دي رسم لجين واقفة وجنبها 11 طفل تحت سماء صافية.
رباب الألفي جت ومعاها أكل وجواب مكتوب بخط الإيد.
الجواب مكنش فيه فلوس ولا خدمات ولا شو.
كان مجرد شكر لـ لجين إنها ادت لـ 11 عيلة فرصة إنهم يكملوا حياتهم الطبيعية.
الجواب ده أثر في لجين أكتر من كل الجوائز والتكريمات اللي أخدتها.
مدرسة الشيخ زايد سمت جائزة الشجاعة السنوية باسمها.
المحافظة إدتها ميدالية الإنقاذ المدني.
وجامعة خاصة عرضت عليها منحة كاملة للمستقبل، رغم إن لجين مكنتش لسه قررت تدخل إيه.
قبلت الميدالية بس رفضت تطلع في البرامج التلفزيونية.
— “أنا مش عاوزه أكون مشهورة عشان كنت هموت،” قالت لـ طارق. “أنا عاوزه أخف بس.”
رحلة الشفاء كانت بطيئة.
في أيام، لجين كانت بتصحى بصداع شديد لدرجة إن الكلام كان بيبقى صعب عليها.
كانت بتضايق لما إيدها الشمال تترعش.
وعيطت لما الدكاترة قالولها مش هتنفع تلعبي سلة السنة دي.
طارق قلل ساعات شغله وكان بيحضر معاها كل الجلسات والاستشارات.
أصحابها من المدرسة كانوا بيزورها على طول.
وياسين كان بيبعت رسمة جديدة كل أسبوع.
ميرفت جت لوحدها مرة، وجايبة معاها صينية أكل واعتذار.
— “كان المفروض أتكلم وأقف في وشهم من زمان،” قالت لـ طارق.
— “أنتِ اتكلمتِ في الوقت اللي كان لازم تتكلمي فيه.”
بصت ناحية لجين وهي نايمة على الكنبة.
— “شريف بيقول إني بوظت حياته.”
طارق هز رأسه:
— “شريف طول عمره محتاج يعلق أغلاطه على شماعة حد تاني.”
ميرفت رفعت ق\ضية طلاق بعد شهرين.
مطلبتش من طارق يشهد معاها ولا ياخد صفها.
هي مشيت ببساطة بعد ما فهمت إن قسوة شريف مكنتش بادئة برسالة واحدة.. الرسالة دي بس خلت الاستمرار معاه مستحيل.
الحاجة فاطمة فضلت تبعت جوابات.
طارق رجع أول تلاتة من غير ما يفتحهم.
الرابع كان مكتوب باسم لجين مباشرة، فسابها هي تقرر.
لجين قرأته على سفيرة المطبخ.
الحاجة فاطمة كتبت إنها طول عمرها بتحبها.
وقالت إن العيلة لازم تسامح وتعدي.
ووصلت وجعها من إنها بقت معزولة وإن الغرباء بيعاملوها بقسوة على النت.
عملاها ما جابت سيرة خوف لجين قبل العملية.
عملاها ما سألت عن صحتها وتأهيلها.
وعمرها ما كتبت “أنا غلطت”.
لجين طبقت الجواب ورجعته الظرف.
— “عايزة تعملي بيه إيه؟” سألها طارق.
فكرت في السؤال.
— “شيله عندك.”
— “ليه؟”
— “عشان لو في يوم حسيت بذنب أو ضعف، أقرأه تاني وأفتكر.”
طارق حط الظرف جوه الدرج.
بعد ست شهور من الحادثة، لجين رجعت مدرسة الشيخ زايد في حفل افتتاح صالة الألعاب الرياضية بعد تصليحها.
خط الغاز التالف اتغير تماماً، والمدرسة اتعمل عليها تفتيش أمان كامل.
لجين كانت بتتمشى من غير مساعدة، رغم إنها كانت لسه بتمشي بالراحة.
الـ 11 طفل كانوا واقفين وراها في ملعب السلة.
وياسين كان ماسك إيدها.
المدير دعا لجين عشان تتكلم.
قربت من المايك وبصت على الصالة المليانة ناس.
طارق كان قاعد في الصف الأول.
الوزير معتز الألفي ومراته قاعدين جنبه.
أحمد الجمال، وأم عبده، والمدرسين، رجال المطافي، والممرضين، والجراحين ملوا الكراسي حواليهم.
الحاجة فاطمة وشريف مكنوش معزومين.
لجين فتحت ورقة صغيرة.
— “الناس عمالة تقول عليا شجاعة ومش بخاف،” بدأت كلامها. “بس أنا كنت خايفة طول الوقت.”
الصالة بقت هادية تماماً.
— “كنت خايفة لما شمت ريحة الغاز. كنت خايفة لما ضربت الإنذار. كنت خايفة لما سمعت ياسين بيعيط. وكنت خايفة لما صحيت في المستشفى.”
بصت ناحية طارق:
— “الشجاعة مكنتش معناه إن الخوف اختفى.. كان معناها إن في حاجة أهم وأغلى من الخوف ده.”
طارق نزل رأسه وهو بيحاول يمسك دموعه.
لجين كملت:
— “أنا تعلمت كمان إن الناس بتظهر على حقيقتها لما يفتكروا إن وجعك ده حاجة خاصة محدش شايفها. فيه ناس بيهتموا بس لما العالم يقولهم إنهم لازم يهتموا. وفيه ناس تانيين بيظهروا وبيقعدوا جنبك قبل الكاميرات ما تيجي، وقبل ما حد يسقف لهم، وقبل ما يعرفوا القصة هتخلص على إيه.”
عمراها ما سمّت الحاجة فاطمة ولا شريف.
مكنش في داعي للأسامي.
— “لما صحيت، كنت فاكرة إن أوحش حاجة هي إني اكتشف مين اللي ميهمهوش أمري.. بس طلعت غلطانة. أهم حاجة كانت إني اكتشفت مين اللي بجد بيحبني وفارق معاه أمري.”
اتلفتت ناحية الـ 11 طفل.
وبعدين بصت لباباها.
الجمهور كله قام وقف ويسقف قبل ما تخلص كلامها.
طارق وقف معاهم، بس مكنش قادر يسقف في الأول.. كان مذهول ومنبهر بمنظر بنته وهي واقفة تحت أضواء الصالة، عايشة، وقوية، وثابتة.
بالليل، رجعوا البيت وطلبوا بيتزا.
مفيش صحفيين مستنيين بره.
مفيش كاميرات ماشية وراهم.
لجين غيرت هدومها ولبست الترينج وقعدت تشتكي إن الحفلة كانت طويلة أوي.
طارق حط الميدالية بتاعتها على الرف.
تليفونه رن.
رسالة من رقم غريب ظهرت.
كانت من الحاجة فاطمة:
”العيلة المفروض متمشيش وتعمل كده في بعضها.”
طارق ورّا الرسالة لـ لجين.
قرأت الرسالة، وبصت له:
— “هترد عليها؟”
طارق افتكر صورة المستشفى.
افتكر لما كتب “تمام، حصل خير” في ليلة مكنش فيها أي حاجة بخير.
مسح الرسالة.
— “لأ،” قال طارق. “أنا رديت خلاص.”
وبعدين عمل بلوك للرقم وحط التليفون على وشه.
لجين فتحت علبة البيتزا.
بره، الشتا كان بينزل بالراحة على الإزاز.
جوه، البيت كان دافي، هادي، ومفيش رن تليفونات بتزعجهم.
لأول مرة، عيلتهم بقت أصغر..
ولأول مرة، بقت كاملة ومكتملة بجد.