روحي من 19-23
مد أكمل يده المرتجفة، ولمس جبين جده البارد.
وفي تلك اللحظة، انكسر انهمرت دموعه أخيرًا، دموع حارقة وصامتة، دموع الندم والحب والفقد.
انحنى على جسد جده، ودفن وجهه في صدره، يبكي كالطفل الذي فقد ملاذه الوحيد ظل مالك بجانبه، يضع يده على ظهره، يمنحه القوة بصمته، ويتركه يفرغ كل الألم الذي كان يحبسه.
مرت أيام العزاء الثلاثة كأنها دهر لم يترك مالك أكمل لحظة واحدة وبعد أن رحل آخر المعزين، جلس أكمل على كرسي جده في نفس المكان الذي وجدوه فيه.
أمسك بسبحة جده التي كانت لا تزال على الطاولة بجانبه، وأغمض عينيه.
بدأت الذكريات تتدفق.
تذكر كيف كان جده ينتظره في كل إجازة عند مدخل البلدة، ويفرد ذراعيه ليحتضنه.
تذكر رائحة الأرض المروية وخبز الفرن التي كانت تملأ البيت.
تذكر جلساتهما الطويلة في الحديقة، وجده يقص عليه حكايات الأجداد، ويعلمه أسماء النجوم.
تذكر كيف كان جده يصر على أن يأكل من يده، قائلاً
“لقمة من يد جدك ترد الروح.”
تذكر ضحكته الصافية، وحكمته البسيطة، وحبه الذي لم يطلب مقابلاً.
تقدم والده منه يربت على كتفه
_مش كفاية كدة وخلينا نرجع القاهرة؟
التفت أكمل إلى والده، وقال بصوتٍ هادئ وحاسم.
_مش هرجع.
_مش هترجع فين؟
_القاهرة.
قال أكمل وهو ينظر حوله، وكأنه يرى البيت لأول مرة.
مقدرش مقدرش أسيب ريحته هنا لوحدها مقدرش أقفل الباب ده وأمشي.
نظر إلى سبحة جده في يده.
_أنا خذلته مرة سبته يموت لوحده زي ما كان خايف مش هسيبه تاني وهو ميت.
سأله والده بامتعاض
_وشغلك؟ مستقبلك؟.
قال أكمل بثقة لم يشعر بها من قبل.
_هاخد أجازة طويلة ولو رفضوا، هقدم استقالتي.
مستقبلي الحقيقي كان هنا وأنا مش واخد بالي منصبي الحقيقي كان حفيد الراجل ده، مش وكيل نيابة.
حاول والده ان يكون هادئاً كي لا يعاند ابنه
__يا ابني الحزن في القلب، مش كل واحد هيفارق حد عزيز عليه هيعمل زيك انت.
تحدث أكمل بلهجة لا تقبل نقاش
_بابا لو سمحت سيبني براحتي.
جاءت والدته على صوتهم
_في ايه؟ ماله أكمل.
رد والده بضيق
_الاستاذ مش عايز يرجع معانا عايز يفضل هنا.
سألته والدته
_صحيح الكلام ده يا أكمل؟
رد اكمل بنفاذ صبر
_ايوة صحيح ومش عايز كلام كتير في الموضوع لأن كلمة زيادة وهسيب الشغل خالص.
تراجعت والدته لعلمها بتعند ابنها لذا سحبت يد زوجها وقالت بقلة حيلة
_لازم تسيبه لاننا لو ضغطنا عليه ممكن يعند ويسيب الشغل فعلاً
خليه ياخد أجازة لحد ما يزهق ويرجع من نفسه
اضطر للموافقة ورحل مع زوجته تاركين أكمل يعاني من ذلك الفراق القاسي.