راس السنة

على رأس السنة، أمي وزعت الهدايا على كل أحفادها، إلا ولادي… ومش بس كده، قامت وراحت ادت آخر شنطة هدايا شكلها يفتح النفس لابن أخويا، قدام عينيهم.
​مش نسيان، ولا غلطة غير مقصودة… هي بصلت لولادي الاتنين وابتسمت ابتسامة خبيثة، وراحت حاطة الهدايا في إيد ابن أخويا.
​بنتي “فريدة” فضلت باصة على المكان الفاضي تحت شجرة رأس السنة اللي كان المفروض تبقى فيه هديتها. وابني “ياسين” حط إيده في جيبه ومثل إنه مش مهتم، وديه أكتر حاجة وجعت قلبي.
​وفجأة، ابن أخويا “سيف” ضحك وقال:
“شكله ولادك مكنوش مؤدبين السنة دي!”
​الصالة كلها سكتت نص ثانية.
أخويا “أحمد” ضحك وهو بيشرب العصير بتاعه، ومراته فضلت باصة في تليفونها ولا كأنها سامعة، وبابا علا صوت التلفزيون على الماتش كأن الصوت العالي هيغطي على القسوة دي.
​استنيت أمي تعدل كلام ابنها أو تكسفه… بس ما عملتش كده.
بالعکس، طبطبت على إيدها وقالت ببرود: “لازم العيال يتعلموا إن فيه عواقب لأفعالهم، يمكن السنة الجاية يعرفوا قيمة النعمة ويشكروا.”
​دموع فريدة كانت هتنزل من عينها.
وياسين بص لي ووسوس لي بصوت واطي: “ماما… هو إحنا عملنا حاجة غلط؟”
​في اللحظة دي بالذات، حسيت بدمي اتجمد ووضحت قدامي كل حاجة.
​سنين وأنا ببلع لامي تصرفاتها وقسوتها الصغيرة… أعياد ميلاد يتعملهم فيها تورته أصغر، خروجات يتنسوا وما يتعزموش فيها، وصور العيلة اللي دايما ولادي يتقالهم يقفوا في الطرف على الجنب. كنت بأقول لنفسي معلش هي كبرت في السن، أو أخويا أحمد بيوزها عليّ، وكنت أقول شراء الخاطر وراحة البال أهم من إننا نكسب الموقف.
​بس راحة البال اللي بتتطلب إن ولادك يتهانوا… دي مش راحة بال.
دي هزيمة ورخص.
​قمت وقفت بالراحة.
ابتسامة أمي زادت حدة وقالت: “بلاش دراما وعمايل فارغة يا شيرين.”
​”مش هعمل دراما.”
​ساعدت فريدة تلبس الجاكيت بتاعها، وبعدها ياسين. وبعدين مسكت صينية البشاميل اللي كنت جيباها معايا وكانت لسه زي ما هي على السفرة ما حدش قربلها، وأخدتها تحت دراعي.
​أخويا أحمد ضحك وتريق: “بتكلمي بجد؟ ماشية عشان شوية لعب أطفال؟”
​رديت عليه بثبات: “لا… ماشية عشان كلكم مستمتعين وأنتم بتشوفوا أطفال بيتوجعوا.”
​بابا بص لي أخيراً وقال: “اقعدي يا شيرين، إحنا في ليلة رأس السنة.”
​بصيت في عينه وقولت: “إياكم تعزمونا تاني… أبدًا.”
​الصالون كله اتخرس.
أمي برقت، اتفاجئت إني نطقتها بلساني وعالي كده.
​وخرجنا.
​في العربية، فريدة كانت بتعيط في صمت وهي باصة من الشباك على أنوار الشارع. وياسين قال لي إنه أساساً مش عايز لعب ولا هدايا. كملت سواقة وأنا ماسكة الدريكسيون بإيدي الاتنين ووعدتهم إنا هنعمل أحلى بيتزا ونأكلها مع بعض لما نوصل.
​اللي مكنتش قايلاها لحد فيهم، إن بقالي ٣ شهور شغال معايا محامي بيجهز أوراق ومستندات العيلة كلها مكنتش تعرف عنها أي حاجة.
​أمي كانت فاكرة إنها بتعاقب ولادي…
بس هي نسيت مين اللي بيدفع قسط الشقة اللي هي قاعدة فيها في المهندسين ومين صاحب الملك.
​الساعة ٦:٠٠ الصبح يوم ١ يناير، وفي الوقت اللي كانت العيلة كلها نايمة بعد سهرة ليلة رأس السنة والقسوة اللي مارسوها… “هدية السنة الجديدة” وصلت لحد باب بيتهم!
​الجزء الثاني:
​الهدية وصلت في ظرف أبيض رسميمكتوب عليه اسم أمي الثلاثي.
​أخويا أحمد هو اللي فتح الباب واستلمه، لأنه كان نايم عندهم على الكنبة في الصالة بعد ما اتخانق مع صاحب الشقة اللي كان مأجرها.
​الساعة ٦:٠٨ الصبح، تليفوني رن… سبته يرن وما رديتش.
الساعة ٦:١١، بابا اتصل… وما رديتش.
الساعة ٦:١٤، أحمد بعتلي رسالة: “إنتي هببتي إيه على الصبح؟!”
​كنت واقفة في المطبخ بعمل بيض وبان كيك لفريدة وياسين وهما قاعدين بيتفرجوا على الكرتون في الصالة ومتغطيين بالبطانية.
​الساعة ٦:٢٠، أمي سابتلي فويس نوت بصوت كان حاد يقطع الإزاز:
“شيرين! تتصلي بيا فوراً! الورق ده مكتوب فيه إن الشقة بتتحضر للبيع… الأوهام دي مش ممكن تكون صح!”
​بس هي كانت صح جداً.
​الشقة دي كانت أساساً ملك جدي الله يرحمه، وكان عاملها “وقف عائلي”. ولما أمي كانت هضيعها من ٥ سنين بسبب ضرائب ومخالفات متراكمة، أنا دخلت في السكت من غير ما حد يعرف ودفعتا لكل المديونيات وبقيت أنا المتولي الرسمي والمسؤول عن الوقف ده. ووافقت إن أمي وبابا يفضلوا قاعدين فيها من غير ولا مليم إيجار بشريطة واحدة مكتوبة في العقد: ممنوع استبعاد أو معاملة أي طفل من الأحفاد بمعاملة سيئة أو استغلاله داخل البيت ده.
​أمي مضت على الإقرار ده بنفسها.
وبابا كمان مضى.
كانوا فاكرين إن الطيبة والعشم مش بيحتفظوا ببدل وأدلة.
​الساعة ٧:٠٣ الصبح، أحمد كان بيخبط على باب بيتي بغل وكان حيوط الباب هتقع.
​فتحت الباب وسبت السلسلة المتروكة في الباب.
أمي كانت واقفة وراه، لسه بلبس إمبارح ولابسة العقد اللولي بتاعها، ووشها ورم من الفزع والوتر.
​زعقت بصوت واطي ومخنوع: “إنتي مش من حقك تبيعي بيتي!”
​رديت بهدوء: “ده مش بيتك… ده ملك الوقف، وأنا الوصي عليه.”
​بابا قرب وقال: “شيرين، كفاية بقى! أخوكي وعيلته محتاجين استقرار!”
​رديت عليه: “أنا ولادي كانوا محتاجين كرامة.”
​صوت أمي اترعش من الغضب: “كل ده عشان شوية هدايا لعب عيال؟”
​”لا…” رديت بثبات “عشان ده نظام وقسوة متسجلة بقالها سنتين بالصوت والصورة على كاميرات المراقبة بتاعة الشقة نفسها.”
​أحمد اتجمد في مكانه.
​في اللحظة دي، عربية المحامي بتاعي وقفت تحت البيت.
أمي بصت للمحامي وهو طالع، وبصتلي بكابوس.
​وهنا بقى كشفت المستور اللي ما حدش فيهم كان متوقعه:
“وفيه ورقة كمان جوه الظرف يا أمي… طلب مراجعة وحساب لكل مليم اتسحب من صندوق تعليم الأحفاد اللي جدي كان سايبه.”
​الجزء الثالث:
​وش أحمد اتغير وأصفرّ قبل ما أمي حتى تستوعب اللي أنا قولته.
والردة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أفهم كل حاجة.
​المحامي بتاعي وقف جنَبي وهو ماسك ملف تاني وقال: “يا مدام، أوراق الوقف بتوضح إن فيه مسحوبات مالية اتعملت من حساب تعليم الأحفاد على مدار ١٨ شهر اللي فاتوا.”
​أمي مسكت العقد اللولي بإيد مهزوزة وقالت: “دي كانت مصاريف للعيلة!”
​رديت عليها: “لا يا أمي… الكابتن الخاص بتاع سيف ابن أحمد في النادي مكنش مصاريف عيلة! وقسط العربية الجديدة بتاعة أحمد مكنش مصاريف عيلة! والرحلة بتاعة الغردقة اللي طلعتيها مكنتش مصاريف عيلة!”
​بابا لف لأحمد وهو مذهول: “إنت مش قولتلي إن شيرين هي اللي وافقت على الفلوس دي؟!”
​أحمد فتح بؤه، بس ما عرفش يطلع ولا كلمة تبرر اللي عمله.
​سنين وأمي بتقول للقرايب والمعارف إن الفلوس غيرتني وخليتني أبعد عنهم… وما قالتلهمش أبدًا إني أنا اللي كنت بدفع فواتير الكهرباء والمياه بتاعتهم، وبجيب علاج بابا، وبغطي العجز اللي بيحصل كل ما الفلوس تتسرق من صندوق التعليم.
​كنت ساكتة وبستحمل عشان فاكرة إن الحفاظ على العيلة معناه إن أنا اللي أشيل الشيلة وأسكت.
​حد ما ولادي وقفوا تحت شجرة رأس السنة وإيديهم فاضية، والكل بيضحك عليهم ويتفرج.
لحد هنا وبس.
​المحامي سلم أمي إخطار رسمي… قدامها هي وبابا ٣٠ يوم يتنقلوا لشقة إيجار أصغر ملك الوقف برضه. والشقة الكبيرة المهندسين هتتباع، والفلوس اللي اتسرقت من صندوق التعليم هتتقصم من نصيب أحمد في الورث. ولو حد فكر يرفع قض\ية أو يعترض، التسجيلات والمستندات والعقود الممضية هتوصل للنيابة فوراً.
​أمي همست بكسرة: “هتفضحيني وتكسري بيت أمك؟”
​بصيت ورايا، شفت فريدة وياسين قاعدين على سفرة المطبخ بيلعبوا مع بعض وبيضحكوا في دفء وأمان.
​بصيت لها وقولت: “إنتي هنتي ولادي عشان تتسلي… أنا بأمن مستقبلهم عشان يعيشوا مرفوعين الراس.”
​أحمد شتم وسابنا ومشي وهو بيتطوح، وبابا مشي وراه من غير ما ينطق كلمة، شكله كان أصغر وأضعف من أي وقت شفته فيه. أمي فضلت واقفة شوية، مستنية إن الذنب يحركني بعد ما الحب ماببقاش ينفع.
بس محاولتها فشلت.
​على أول الربيع، الشقة كانت اتباعت، وحسابات تعليم فريدة وياسين اتملت تاني بالكامل. وأحمد بطل يتنطط ويتكلم عن العيلة بعد ما ديونه كلها اتكشفت قدام الكل.
​ليلة رأس السنة اللي بعدها، قضيناها في بيتنا.
ما كانش فيه أي مكان فاضي ولا حرمان.
ولا ضحك بقسوة وششماتة.
كان فيه بس بيتزا، وتيجان ورق، وطفلين فهموا أخيرًا إنهم عمرهم ما كانوا ناقصين أو أقل من حد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *