حصري لصفحة روايات رولا
اتعلم لغتها في السكوت.. وعلمته يحب بصوت عالي
الجزء الأول — ليلة زجاج الحقيقة لما اتكسر
أول مرة سلمى تشوف فيها أدهم الألفي، كان واقف بين طفل أصم مرعوب وبلطجي ماسك مطواة.
المطر كان نازل بغزارة في الشارع الورا مدرسة “الأمل” لضعاف السمع في المعادي، والأسفلت بيلمع تحت إضاءة العواميد.
سلمى كانت سهرت في المدرسة عشان تدرب ياسين (9 سنين) على العرض الفني بتاع آخر السنة. وهمّ طالعين للشارع، طلع لهم راجل ملثم من ورا عربية نقل وشد شنطة سلمى.
سلمى سابت الشنطة فوراً، مفيش حاجة فيها تستاهل رعب طفل. بس الراجل ماسابهمش، مسك ياسين من دراعه فاكر إن سكوت الولد معناه إنه مش هيعرف يستغيث.
ياسين كان يبص لسلمى وإيديه بتحرك بسرعة: لحقيني.
سلمى وقفت بين البلطجي وبين الولد وهي بتترعش:
— “سيبه ويمشي!”
— “أنتِ وهي هتجوا معايا!”
فجأة وقفت عربية مرسيدس سوداء على الرصيف. نزل منها راجل طويل بلابس بالتو جوخ أسود.
كل الناس في القاهرة تعرف اسم أدهم الألفي. صاحب فنادق، شركات شحن، مطاعم في الزمالك، ورجل أعمال تقيل، بس الشائعات كانت بتقول إن كلمته هي القانون في العالم السفلي وسوق المقاولات المشبوهة.
أدهم اتكلم بهدوء يرعب: “سيب الولد.”
البلطجي مسك ياسين أكتر: “ابعد يا ألفي بدال ما توصلك.”
أدهم عيونه متغيرتش: “قدامك 3 ثواني.”
قبل ما أدهم يكمل العد، كان تحرك بسرعة ودقة حاسمة، مسك إيد البلطجي ولواها ونزل المطواة على الأرض بدون دوشة ولا عنف زيادة. البلطجي اتكعبل ولقى حارسين نازلين من عربية أدهم، فطلع يجري في الضلمة.
أدهم متبعوش، نزل على ركبته قدام ياسين عشان ما يبانش طويل ومخيف.
— ” هو كويّس؟”
سلمى نزلت جنبه وسألت ياسين بالإشارة، ياسين هز راسه وقال بإيديه إن الراجل قطع له كم القميص.
أدهم قال: “هجيبلك غيره.”
سلمى قاطعت: “هو مش عايز جديد.”
أدهم بص لها بعيون حادة: “عايز إيه؟”
سلمى ترجمت إشارات ياسين: “عايزك تبطل تبص كأنك ناوي تضرب الجو!”
واحد من حراس أدهم كتم ضحكته، وأدهم بصل لياسين وفجأة طرف شفته اتحرك.. ابتسامة خفيفة غيرت ملامحه تماماً من الخطر للأمان. أدهم قلع البالتو الجوخ وحطه على كتاف ياسين.
ياسين بص للبالتو وقال بالإشارة: “كده شكلك يقل خوف.”
سلمى ضحكت: “البالتو ده شكله بآلافات الجنيهات!”
أدهم بص لسلمى: “كان المفروض تسيبيه ياخد الشنطة وما تقفيش قدامه.”
— “أنا مدرسة الولد ده.”
— “أنتِ متطوعة.”
— “ده ما يقللش من مسؤوليتي عنه.”
أدهم بص لها بنظرة احترام مكتومة: “كان ممكن تتقت*لي.”
— “وياسين كان ممكن يتأذي.”
أدهم حسم الكلام: “اركبي العربية أنتِ والولد.”
سلمى: “مش راكبين معاك في حتة.”
— “الليجم ده مكنش حرامي عادي، ده مقصود.”
— “تقصد إيه؟”
— “تبعيّات شغل مع واحد اسمه الكيلاني.. كان عايز يعرف أنتِ تفرقي معايا في إيه.”
سلمى اندهشت: “أنا عمر ما شفتك!”
— “شفتيني من 6 شهور في الحفلة الخيرية بفندق الألفي جراند، لما اتخانقتي مع أحد المتبرعين عشان كان عايز يعرض الأطفال الصم على المسرح كأنهم شو.. وشتمتيه وقلتي له فلوسك مش هشتري بيها تصفيق.”
سلمى افتكرت: “أنت كنت واقف هناك؟”
— “كنت واقف وراكي.. وسألت عليكي، وعرفت إنك بتتطوعي هنا كل جمعة.”
أدهم كمل: “الكيلاني عرف طريقك، والحماية دلوقتي مش رفاهية.”
سلمى وافقت تروح تقعد في فيلا حراسة تبع مؤسسته في التجمع بشرط: “ما تتدخلش في شغلي، وما تدخلش المكان إلا بإذني.”
أدهم هز راسه: “موافق.”
الجزء الثاني — المسافة بين إيديهم
لمدة 4 أسابيع، أدهم وفى بوعوده.
الفيلا كانت أمان، والحراسة مشدودة بس من غير خنق. أدهم كان يقف بعربيته قدام مدرسة “الأمل” كل جمعة، يقعد يشتغل على التابلت من غير ما ينزل أو يضايقها.
في يوم، سلمى طلعت له العربية:
— “أنت قاعد تبص عليا طول الوقت ليه؟”
أدهم قفل التابلت: “أنتِ مختلفة هنا.. ناعمة مع الأطفال.”
— “النعومة مش ضعف يا أدهم.”
— “عارف.. بس أول مرة أشوف حد بيستخدم النعومة كدرع.”
سلمى عزمه يدخل الفصل. أدهم بدله الأسود الفخمة مكنتش لايقة على زينة الفصل والورق الملون، بس الأطفال التموا حواليه. ياسين وجني وصحابهم قعدوا يسألوه بإيديهم ويعدلوا له صوابعه وهو بيحاول يقلدهم.
حصري لصفحة روايات رولا
دخل حازم، الأخصائي النفسي للمدرسة، وسلم على سلمى وحضنها أخويّاً. ملامح أدهم اتجمدت وظهرت عليه الغيرة فوراً، وقال بثبات: “هي مش لوحدها يا أستاذ حازم.”
في نفس الليلة، أدهم جاب لها عشاء شاورما وطعمية من المحل اللي بتحبه على النيل، وقعدوا يتكلموا.
سلمى: “أنت بغير من حازم؟”
أدهم بص لها بجرأة: “أيوه.”
— “أنت ما تعرفنيش أصلاً.”
— “أعرف عنك اللي يخليني عايز أعرف أكتـر.. وأنا مبحبش أشتهي حاجة ماليش حق فيها.”
أدهم قرب منها، وإيديهم لمست بعض فوق الترابيزة.. قال بصوت واطي: “قولي لي أمشي يا سلمى.”
سلمى بنبرة مهزوزة: “مش قادرة أقولها..”
أدهم ساب إيدها بلياقة وقال: “يبقى مش وقتها.” ومشس.
اللي سلمى مكنتش تعرفه، إن أدهم من اليوم ده بدأ ياخد دروس خصوصية في “لغة الإشارة المصرية” مرتين في الأسبوع مع مدرّبة متخصصة بالليل، عشان يتعلم يتكلم إشارة بطلاقة!
الجزء الثالث — الخطوبة الملعوبة
مرت الأيام، والعلاقة بينهم بقت أعمق. أدهم بقى يأخدها مكتبات قديمة في وسط البلد بالليل وهي مقفولة عشان تقرأ براحتها، وسلمى بقت تفهم حزنه على أمه اللي ماتت في حريق زمان، وعن أخوها المتوفي “عمر” اللي كان أصم وكان حلمه يبقى مهندس ديكور.
في حفلة فندق الألفي، سلمى حضرت ببراعة بلابس كحلي، بس دخلت نيللي (بنت رجل أعمال نفوذ ومنافس)، ولابسة خاتم ألماض وقالت قدام الكل: “أهلينا مجهزين لخطوبتنا من زمان يا سلمى.”
أدهم حاول يوضح لسلمى إن الموضة دي ملهاش وجود وإنه رفضها، بس الكيلاني بعت صور لسلمى والأطفال لأدهم مع رسالة: نقطة ضعفك بقت مكشوفة.
أدهم اتعلم إن خطورة الكيلاني على سلمى وأطفال المدرسة بقت كبيرة، فقرر يعمل لعبة: هيحسّن علاقته بنيللي ويكتب خطوبة صورية عشان يبعد العين عن سلمى ويحميها.
ووصلت لسلمى رسالة من تليفون أدهم: “كنتِ مجرد تسلية في وقت فراغ، ما تلخبطيش الحماية بالحب.”
سلمى اتصدمت، ولمت شنطتها من الفيلا. لما أدهم جه، سلمى بصلت له بعيون مدمعة:
— “الكلام ده صح؟ أنت حسيت بأي حاجة؟”
أدهم كان ينزف من جوة بس قال كدبته عشان يحمي حياتها: “أنا حاسس بالمسؤولية ناحيتك بس.”
سلمى مشيت وهي بتقول له: “أنت مش خطر عشان قدرتك على الأذى.. أنت خطر لأنك بتخلي الوعد بالأمان يضحك على الواحدة لحد ما تدمرها.”
حصري لصفحة روايات رولا
بعد ما عربيتها مشيت، أدهم وقف لوحده في الصالة الفاضية، ورفع إيديه وسجل بالإشارة في الهواء: أنا بحبك.
الجزء الرابع — الكدبة اللي حبتها زيادة عن اللزوم
فاتت 6 أسابيع. سلمى رجعت لبيتها وحياتها، والوجع جواها كتمته بالعمل التطوعي.
في يوم، دخلت نيللي المسرح الفاضي في المدرسة وقالت لسلمى بغل: “أدهم ضحى بـ3 عقود شحن ومقاعد مجلس إدارة ورفض يتجوزني رسمياً.. هو سابك عشان يحميكي من الكيلاني مش لأنه بيكرهك!”
سلمى اكتشفت إن الرسائل كانت مزورة من نيللي، وإن أدهم عمل كل ده حماية ليها.
ليلة العرض السنوي للأطفال، ياسين جاله خرق مسرح ورفض يطلع. فجأة، وقف أدهم في آخر القاعة بلابس أسود، ورفع إيده قدام الكل وعمل إشارة متقنة لياسين:
يا قمر.. اشرق.
ياسين ابتسم وطلع يمثل! سلمى اتسمرت مكانها وهي بتشوف أدهم بيتكلم لغة الإشارة بإنطلاقة وإحساس عالي.
رفع أدهم إيديه لسلمى من بعيد وقال بالإشارة: أنا فخور بيكي.
بعد ما الناس مشيت، سلمى واجهته في المسرح:
— “اتعلمتها إمتى؟”
— “من أول يوم دخلت فيه فصلك.. عشان ما تحتاجيش تترجمي لي عالمك تاني.”
— “كسرت قلبي يا أدهم!”
— “عارف.. أنا خفت عليكي وعلى الولاد، ولما الخوف تملك مني اتصرفت بغباء الكبار.”
أدهم طلع ملف من جيبه: “دي أوراق تنازلي عن كل أعمالي غير القانونية وتنازل لشركائي.. أنا بتغير عشان نفسي وعشان أكون أستاهلك.”
فجأة دخلت مريم (مديرة أمنه): “الكيلاني بعت ناس في الممر!”
أدهم حط سلمى وراه، والحراسة اتعاملت مع البلطجية في الممر والشرطة جيت قبضت على الكيلاني ونيللي بتهمة التآمر.
سلمى بصت لأدهم وقالت: “أنا مش هسامحك النهاردة.. بس مش همشي. المرة دي هنقرر سوا.”
الجزء الخامس — الحياة في النور
بعد سنة كاملة من إعادة بناء الثقة، أدهم سلم كل أعماله المشبوهة للنيابة، وبقت شركاته قانونية 100%.
في مارس، افتتحت مدرسة “الأمل” مبنى الفنون الجديد بتصميم مجهز بالكامل للصم (إضاءات تحذيرية، أرضيات تهتز للموسيقى) ومكتوب على الباب لوحة برونزية باسم “عمر بنّات” حُبّاً في أخو سلمى.
بعد الحفلة، أدهم أخد سلمى للفصل الفاضي اللي اتقابلوا فيه.
نزل أدهم على ركبته قدامها، وبدأ يتكلم بلغة الإشارة:
علّمتيني إن الحب مش حماية من غير استئذان.. علّمتيني إن القوة ممكن تكون حنينة.. وأن اختيار شخص معناه إنك تسيب له الحرية يختارك كل يوم.
وطلع خاتم بسيط وقال بصوته: “يا سلمى.. تبني معايا حياة في النور؟”
سلمى نزلت على ركبتها هي كمان قدامه عشان يبقوا في نفس المستوى، ودموعها نازلة، وجاوبت بإيدها وبالصوت:
“موافيقة يا أدهم.”
ومن ورا زجاج الفصل، كان ياسين وليلى وباقي الأطفال واقفين بيسقفوا بإيديهم في الهواء في صمت تام وحب مالي المكان.