المليونير حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​الجزء الأول: الصباح اللي سمع فيه الخادمة بتطلب الفلوس
​طول حياته، كان أدهم الجبلي مؤمن إن الفلوس تقدر تحل أي مشكلة تقابله في الدنيا.
​عنده تمانية وتلاتين سنة، عايش في فيلا كبيرة ورايقة في منطقة التجمع الخامس بالقاهرة. وهو رئيس مجموعة “الجبلي للمقاولات والبنية التحتية”، الشركة الضخمة اللي أسسها جده من سنين طويلة. يومه كان ماشي بالمسطرة: قهوة سادة قبل الشروق، تقارير الميزانية والمبيعات جاهزة على مكتبه، ومكالمات مع مستثمرين ومقاولين بتتقال فيها أرقام بملايين الجنيهات بمنتهى البساطة.
​أدهم اتعود على الأرقام الكبيرة لدرجة إن مفيش رقم بقى يبهره. بس في صباح يوم أربع مطير، سمع كلام في المطبخ خلا كل الأرقام اللي على شاشة كمبيوتره مالهاش أي قيمة.
​مريم كانت شغالة بتنضف في فيلا أدهم بقالها حوالي سبع شهور. ست في حالها جداً، بتيجي كل يوم الصبح بدري قبل الساعة سبعة، لابسة بالتو رمادي بسيط ومسكة في إيدها شنطة أكل صغيرة. كانت بتشتغل في صمت وضمير؛ تنضف أوض نوم أكبر من الشقة اللي عايشة فيها أصلاً، وترتب دواليب مليانة هدوم ماركات أدهم نفسه نسي إنه اشتراها. ولما يومها بيخلص، تلم حاجتها بالراحة وتمشي من غير ما تشتكي أو تطلب أي معاملة خاصة.
​كل اللي أدهم يعرفه عنها حاجات بسيطة: إنها أمينة، إن عندها بيبي صغير، وإن جوزها متوفي.
​في الصبحية دي، أدهم كان رايح المطبخ وسمع صوتها بتتكلم في التليفون بنبرة مكتومة خلت قدمه تتسمر مكانها:
​— “يا أمي، والله العظيم ما كنت عايزة أطلب منك تاني… بس ممكن تسلفيني 350 جنيه؟”
​سكتت مريم شوية تسمع رد أمها، وبعدين كملت ترجي:
— “اللبن بتاع سيف قرب يخلص خالص. قلت هحاول أكفيه باللي فاضل للجمعة، بس فتشت الصبح ولقيت العلبة فاضية تقريباً… أبوس إيديكي لو هتسحبيهم من مصروف بيتك بلاش، أنا هتصرف.”
​أدهم انسحب بالراحة لورا وهو حاسس بإحراج شديد. المبلغ بالنسبة له كان ولا حاجة؛ الأسبوع اللي فات بس كان في عشاء عمل في مطعم فخم في الشيخ زايد وطلب إزايز مية ومشروبات مدفعش فيها أقل من ألفين جنيه ومن غير ما يبص على الفاتورة. وهنُا في بيته، ست بتشتغل عنده طول اليوم، محتارة ومش عارفة تجيب علبة لبن لابنها الصغير!
​سمعها بتقول بصوت مرعوش: “أول ما المرتب ينزل هردسهالك على طول… والله أوعدك.”
​رجع أدهم مكتبه وقفل الباب. فتح اللابتوب وبدأ يدور على أسعار لبن الأطفال، البامبرز، مواصلات الأتوبيس، إيجارات الشقق البسيطة، المصاريف اليومية. جاب ورقة وقلم وبدأ يحسب مرتب مريم قصاد مصاريفها الأساسية.. والنتيجة كانت تصدم؛ مريم مش بتبذر، المرتب يا دوب بيغطي الإيجار والأكل بالعافية، وأي ظرف طارئ — زي علبة لبن زيارة — كان كفيل يهد ميزانية الشهر كله.
​على الضهر، طلب أدهم ملف مريم من الاتش آر عشان يشوف طريقة يزود بيها مرتبها من غير ما يحرجها. بس وهو بيقلب في الورق، عينه جت على تفصيلة صغيرة:
​الاسم في خانة الحالة الاجتماعية: أرملة المرحوم طارق متولي.
​الاسم رن في دماغه بشكل غريب.. حس إنه سمعه قبل كده في قعدة عائلية من أربع سنين في بيت عيلته القديم في مصر الجديدة، قعدة أول ما دخل فيها، أبوه وعمه سكتوا فجأة وغيروا الموضوع.
​في نفس اليوم بالليل، ألغى أدهم عشاء عمل، وطلب من سواقه يوديه للعنوان المكتوب في ملف مريم في حي حلمية الزيتون.
​المنطقة كانت شعبية وبسيطة. طلع أدهم السلم وهو شايل شنطتين من السوبرماركت والصيدلية مليانين لبن وبامبرز ومستلزمات، وكان حاسس بتوتر غريب. خبط على الباب، وفتحت مريم وأول ما شافته اتجمدت مكانها وخافت:
​— “أدهم بيه؟! في حاجة غلط حصلت في الفيلا؟”
— “لا يا مريم، الموضوع مالوش دعوة بشغلك.”
​بصت للشنط اللي في إيده وبصتله، ووشها احمرّ من الإحراج: “أرجوك يا أدهم بيه.. بلاش تقطع عيشي.”
​وقبل ما أدهم يرد، سمع صوت خطوات جاية من على السلم، وصوت جهوري قال:
— “أدهم! أنا بنصحك تمشي فوراً من هنا.”
​اتلفت أدهم ولقى الأستاذ توفيق البنهاوي، المحامي الكباره اللي ماسك أسرار شركة “الجبلي” من أربعين سنة، وواقف وراه اتنين من موظفي الشؤون القانونية بالشركة!
​أدهم استغرب: “أستاذ توفيق؟! أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت منين إني هنا؟”
توفيق حاول يسيطر على الموقف: “دي مسألة قديمة تخص الشركة وبتتعالج بالقنوات الرسمية.”
​بس مريم شدت الباب ناحيتها، ونظرة الخوف في عينها تحولت لشيء تاني.. أدهم فهم في ساعتها: مريم تعرف توفيق كويس!
​الجزء الثاني: الظرف الأزرق والأسرار المدفونة
​سألها أدهم: “تعرفيه منين يا مريم؟”
سكتت مريم شوية وهي شايلا ابنها سيف، وبعدين قالت: “اتفضل ادخل يا أدهم بيه.”
​راحت عند دولاب صغير وطلعت ظرف أزرق كبير ومقفول ومحفوظ جوة كيس بلاستيك. فتحت الظرف وحطت على الترابيزة صور، وإيميلات مطبوعة، وتقارير صيانة، وأوراق رسمية.
​قالت بصوت مكسور: “جوزي طارق كان مهندس صيانة في شركة الجبلي للمقاولات من أربع سنين.. وكان ماسك مشروع التطوير الكبير في الكورنيش. طارق بعت تقارير كتير بيحذر فيها إن المعدات محتاجة تغيير فوراً، وإن التأخير في التوريد بيعرض العمال لخطر.”
​ومدت إيدها بإيميل لأدهم: “ده بعته قبل الحادثة بـ 11 يوم بس.”
​قرأ أدهم الإيميل؛ طارق كان بيطلب إيقاف الشغل في الجزء ده لحد ما المعدات الجديدة توصل، بس الإدارة رفضت عشان المشروع كان متأخر وخايفين من الغرامات!
​كملت مريم والدموع في عينها: “بعد 11 يوم.. طارق ممرجعش البيت.”
​دخل توفيق الشقة وقال بجمود: “الموضوع ده تم التحقيق فيه والملف اتقفل وتعوضتي وقتها.”
بصلته مريم بقوة: “أنت جيتلي وأنا حامل في الشهر السابع، وجبتلي تلات محامين وقلتلي لو رفعتِ قضية على الشركة هتخسري كل حاجة وتطلعي ببلاش، وجبرتني أوقع على إقرار وتنازل بمبلغ طفس!”
​وفي اللحظة دي، ظهر صوت تاني عند الباب:
— “أدهم.. كفاية لحد كده.”
​دخلت فريدة هانم الجبلي، والدة أدهم، بلبسها الشيك وشعرها الرمادي المترتب.
أدهم اتصدم: “أنتي كمان هنا يا أمي؟!”
فريدة: “توفيق كلمني.. وبصراحة أسلوبك ده مالوش لازمة. دي قرارات قديمة أبوك الله يرحمه وعمك أخدوها لصلحة الشركة.”
​فريدة بصت لمريم الشايلة ابنها وقالت بنبرة فيها تشكيك: “والست دي شغالة عندك في البيت فجأة كده؟ مش شايف إن الموضوع مدبر؟”
مريم ردت بكرامة: “أنا قدمت في مكتب تشغيل وماكنتش اعرف إن الفيلا بتاعت ابنك! ومفيش أي تدبير في إني بقيت بقلب القرش عشان أكل ابني!”
​أدهم بص لأمه، وللمحامي، ولمريم وشقتها البسيطة.. وحس بمدى البشاعة. أخد علبة اللبن من الشنطة وإداها لمريم: “رضّعي سيف الأول.”
​وقد أصر أدهم إنه يقطع الحديث لحد ما الطفل يهدى ويشرب اللبن. وبعدها مسك تليفونه وكلم المهندس فتحي عبد القادر، مدير العمليات المتقاعد اللي ساب الشركة من سنين بعد خلافات مع المحامي توفيق.
​أدهم: “يا بشمهندس فتحي.. أنا بفتح ملف مشروع الكورنيش وحادثة المهندس طارق متولي.”
سكت فتحي على التليفون شوية، وبعدين قال جملة هزت أدهم:
— “أخيراً في حد فتح الملف ده يا أدهم! طارق صرخ وحذر، بس عمك والمحامي ضغطوا عشان الشغل ما يقفش، ولما حصلت الكارثة رموا التهمة على إهمال طارق عشان الشركة ما تشيلش الجناية!”
​أدهم حس بغثيان.. بص لـ توفيق ولأمه وقال بصوت قاطع: “أنا هطلب مراجعة قانونية وفنية مستقلة لكل ملفات الشركة القديمة، من أول طلبات الصيانة لحد التعويضات!”
​توفيق حذره: “فكر كويس في اللي بتعمله.. ده هيضر اسم عيلة الجبلي!”
رد أدهم وهو بيبص لأوراق طارق الملفوفة في البلاستيك: “ده اللي أنا بعمله بالظبط.. بفكر لأول مرة بحق ربنا!”
​الجزء الثالث: الحقيقة واختيار المبدأ
​خلال الـ 48 ساعة اللي بعدهم، كل حاجة اتغيرت.
المهندس فتحي جمع فريق مراجعين مستقلين، واسترجعوا الإيميلات والتقارير الممسوحة. اتكشف إن طلبات تغيير المعدات اترفضت عمداً لتوفير الفلوس، وإن تقارير الحادثة اتزورت عشان تبان إن المهندس طارق هو اللي أهمل وما اتبعش تعليمات السلامة!
​ولقوا كمان إن طارق قبل لحظة انهيار السقالة، زق عمال صغيرين في السن وبعدهم عن الخطر، وضحى بنفسه عشان ينقذهم! طارق مات بطل.. بس الشركة دفنت حقيقته عشان تحمي الإدارة!
​لما فتحي كلم أدهم ومريم قاعدة جنبه وقالهم على تقرير السلامة الاصلي، مريم غطت وشها وبكيت بحرقة:
— “أنا كنت عارفة.. كنت عارفة إن طارق عمره ما يفرط في أرواح الناس!”
​أدهم ما اكتفاش بالاعتذار، قرر يحول الكلام لأفعال:
قدّم كل المستندات للنيابة ولجهات التحقيق، وأعلن عن مراجعة شاملة لشركة الجبلي. أقال المحامي توفيق البنهاوي، أوقف الموظفين المتورطين، وعوّض الأسر اللي اتظلمت على مدار السنين.
​النتيجة كانت قاسية على أدهم شخصياً:
أمه قطعت كلامها معاه لأسابيع.
مستثمرين كبار انسحبوا وقيمة أسهم الشركة نزلت.
بس أدهم كان مرتاح، ولأول مرة حس إن الفلوس اللي بيتخسرها هي الثمن الحقيقي لنظافة ضميره.
​بعد شهور، اتعملت جلسة إعادة اعتبار رسمية للمهندس طارق متولي. مريم كانت قاعدة ومسكة صورة طارق اللي بيضحك فيها، ولما الممر أعلن تبرئة اسم طارق رسمياً وتعديل سجلات الشركة وتكريم اسمه، مريم ما زغرطتش.. مسكت الصورة ووشوشتها: “أخيراً صوتك وصل يا طارق.. أخيراً عرفوا الحقيقة.”
​مريم أخدت التعويض المستحق وابنها سيف بقى له نصيب ومبلغ محترم، وما رجعتش تشتغل شغالة عند حد.
بعد سنة، فتحت كافيه صغير ودافئ في منطقة الكوربة بمصر الجديدة وسمته “قهوة طارق والصباح”.
​علقت صورة طارق ورا الكاونتر وتحتها لافتة صغيرة مكتوب عليها:
​”اتكلم واصرخ لما تشوف حاجة غلط.”
​الكافيه ده بقى معروف في المنطقة بنضافته وبأن صاحبته عمرها ما تحرج حد؛ لو زبون أو أم معندهاش باقي الفلوس أو ناقصها مبلغ بسيط، مريم تبتسم وتقول: “المرة الجاية إن شاء الله.. الشاي واللقمة مبروكين.” لأنها عمرها ما نسيت الليلة اللي كانت محتاجة فيها 350 جنيه عشان علبة لبن لابنها!
​وأدهم غير نظام شركة الجبلي تماماً؛ الصيانة بقت خط أحمر، ولما مدير في يوم اشتكى وقال إن إجراءات السلامة الجديدة بتكلف ملايين وتأخر المواعيد، أدهم بص له من شباك الاجتماعات وقال بثبات:
​”لو الطريقة القديمة بتوفر ملايين على حساب دم ناس تانية.. يبقى عمرها ما كانت أرخص، دي كانت دين في رقبتنا وسددناه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *