مش هضيع
وماكنتش لسه أعرّف إن عشان أوفى بالكلمة دي، هخسر جوازي، وهنتهي بيا المطاف وأنا بربي نورهان كأنها بنتي، وبعد تلاتاشر سنة، أختي هتحاول تمسح وجودها تاني قدام عيلتها الجديدة كلها.
ماكنتش مصدقة اللي كان على وشك يحصل…
على شهر عشرة، أيمن مابقاش يتكلم عن موضوع “الكام أسبوع” ده خالص. هو كان طيب مع نورهان بصراحة.. هو اللي عمل أول رمبة في البيت، واتعلم يحط الحاجات في مكان هي تطوله، وعمره ما عاملها وحش. بس في ليلة حط قدامي على الترابيزة بروشورات لدار رعاية ومؤسسات دعم.
—رشا، أنا وافقت أساعد في ظروف طارئة. موافقتش إننا نتحول لأب وأم للمدى البعيد.
أنا تفهمت خوفه. بس في نفس الوقت فهمت حاجة هو ماكانش شايفها: نورهان كانت عايشة مستنية اللحظة اللي الكبير اللي بعده يزهق منها ويترمى دورها.
في نفس الليلة لقيتها تاني فتحت شنطتها وبترص هدومها.
—أنا سمعت أيمن وهو بيقول إنه عايز بيته يرجعله تاني —قالتها وهي باصة للأرض—. أنا ممكن أمشي.
قفلت الشنطة بإيدي.
—قرار الكبار مش دين عليكِ انتِ اللي تدفعيه.
أيمن مشي بعديها بأيام. ماكانش فيه صريخ ولا أطباق بتتكسر. قبل ما يخرج من الباب، ربط مسمار كان مهوي في الرمبة. ساعات البني آدم ممكن يحب حد، وبرضه يختار إنه يمشي. طلاقنا تم رسمياً بعديها ببتكام شهر.
منيرة بقى، على الناحية التانية، كان باين عليها الإرتياح. لما قلتلها إن محتاجة وصاية قانونية عشان أقدر أوافق على علاجها، وأوراق مدرستها، وقرارات حياتها اليومية، بصمت ومضت من غير ما تفاصل. وطارق هو كمان ماعترضش.
نورهان سألتني سؤال واحد بس قبل جلسة المحكمة:
—هو أنا هفضل عايشة معاكِ؟
—اه.
ساعتها اتنهدت نفس طويل كأن جبل انشال من على صدرها. ومع السنين، بطلت تقولي “يا طنط” من غير ما نخطط ليها إحنا الاتنين. في يوم أحد، وأنا بعمل الشاي، مدتلي ورقة وبتقولي:
—يا بابا.. قصدي يا بابا، معلش بصي معايا على التاريخ ده؟ (يا ماما)
إحنا الاتنين سكتنا لحظة.. وبعدين كملنا الفطار عادي جداً.
في الوقت ده، منيرة كانت بتبني حياة جديدة خالص. اتجوزت شريف، رجل أعمال من التجمع، عمرها ما قالتله إن عندها بنت اصلاً. أنا شكيت في الموضوع من اليوم اللي حظر فيه قدامي وقال بضحك “إن نفسه يخلف أول العنقود قريب”، ومنيرة ابتسمت وماصلحتلوش المعلومة.
نورهان كبرت. درست الخدمة الاجتماعية، وتخصصت في برامج دمج ذوي الإعاقة، وهناك اتعرفت على كريم، مدرس موسيقى. كريم عمره ما كان بيزق كرسيها من غير ما يستأذنها، عمره ما كان بيتكلم بدالها، وعمره ما تعامل مع إعاقتها على إنها قصة بطولية.
بعد سنين، أخدوا خطوة كبيرة وبقوا عيلة بديلة لأربع إخوات كانوا تحت رعاية دور الأيتام تبع التضامن الاجتماعي: ندى، عندها تسع سنين؛ وأحمد، سبع سنين؛ ويوسف، خمس سنين؛ وجنى، أربع سنين. الأربعة دول كانوا تنقلوا بين بيوت كتيرة أوي. ندى كانت بتنام والشنطة متجهزة جنب سريرها. أحمد كان دايماً بيسأل مين اللي هيجي ياخدهم. يوسف كان بيترعب لو أي خطة اتغيرت. وجنى كانت ماشية ورا إخواتها في كل حتة.
بعد كام شهر، لما بقى واضح إنهم مش هيرجعوا لعيلتهم الأصلية، نورهان وكريم بدأوا إجراءات الكفالة الرسمية عشان الأربعة يفضلوا سوا. المشوار ماكانش سريع ولا سهل، بس في الآخر بقوا رسمياً باباهم ومامتهم.