مش هضيع
أول مرة حد من الأطفال قال لنورهان “يا ماما” كانت بالظبط من غير ما يقصدوا. وبعد كده مابقتش حد بيكرر يصلحها.
بعد تلاتاشر سنة من الحادثة، منيرة بعتتلي عزومة على الـ Baby Shower بتاعها. كانت حامل من شريف.
بعديها بدقيقتين بعتت مسج تانية: “تعالي لوحدك. متجبيش نورهان معاكِ. شريف ميعرفش أي حاجة، ومش هبوظ حلم عمري وحملي عشان حاجات من الماضي.”
فضلت باصة للشاشة. نورهان قرأت المسج من فوق كتفي. وماعيطتش.
—يلا بينا —قالتلي.
—أمك طلبت إنك متجيش.
—بالظبط.. عشان كده هنروح.
يوم الحفلة، وصلنا فيلا شيك في التجمع. كريم كان معانا. وندى، وأحمد، ويوسف، وجنى.
منيرة لمحتنا من آخر الجنينة. الابتسامة اختفت من وشها تماماً. وجت علينا وهي بتغلي من الغضب.
—أنا مش قلتلك تعالي لوحدك؟!
قبل ما أرد، شريف قرب وهو ماسك الكاس في إيده وبيبتسم، وهو مش فاهم ولا عارف إن الست اللي قاعدة على كرسي متحرك قدامه دي هي البنت اللي مراته خبت وجودها تلاتاشر سنة.
وفي اللحظة دي.. منيرة طلبت من الكل يسكت عشان ترفع النخب وتبدأ الكلمة.
الهدوء عم المكان كله، والتليفونات كلها اترفعت عشان تسجل اللحظة السعيدة.
شريف كان واقف جنب منيرة، مالي إيده منها، وبيبتسم بفخر وهو بيحط إيده على بطنها.
—أنا حابب أشكركم كلكم إنكم جيتوا نشاركونا فرحتنا بأول فرحتي، بابني اللي مستنيه بفارغ الصبر —قال شريف وهو رافع كاسه.
منيرة كانت بتترعش، عينيها عمالة تروح وتيجي بيني وبين نورهان والأطفال الأربعة، وشها اصفر وزي ما تكون شايفه عفريت. كانت مرعوبة إن السر اللي دفنته تلاتاشر سنة ينكشف في لحظة.
قربت نورهان بكرسيها في هدوء تام وسط الزحمة، وكريم واقف جنبها بثبات، والأطفال الأربعة حوالين الكرسي ماسكين في بعض.
شريف لمس التوتر في الجو، بص لمنيرة واستغرب، وبعدين بص لنورهان وبابتسامة مهذبة قال:
—أهلاً بحضرتك.. منورة الحفلة. أنا شريف، جوز منيرة. أنتِ أكيد صديقة للأسرة؟
نورهان ابتسمت ابتسامة هادية جداً، طلعت من شنطتها دوسية أزرق قديم —نفس الدوسية اللي بدأت بيه قصتنا— وحطته في حجرها.
—أنا نورهان.. بنتها.
الكلمة نزل على شريف زي الصاعقة. الكاس في إيده ثبت، والابتسامة اتجمدت على وشه. بص لمنيرة بصة ذهول:
—بنت مين؟! منيرة.. الست دي بتقول إيه؟
منيرة حاولت تلم الموضوع، صوتها كان بيترعش وهي بترد بكدب مفضوح:
—شريف.. دي.. دي بنت أختي رشا! هي بتتلخبط بس من الحادثة القديمة.. رشا هي اللي متبنياها من زمان!
في اللحظة دي، ندى —البنت الكبيرة اللي عندها تسع سنين— خطت خطوة لقدام، وبصت لشريف بعيون بريئة ومفيهاش أي خوف، وقالت بصوت واضح سمع كل الموجودين:
—لا.. طنط رشا تبقى تيتة! وماما نورهان هي مامتنا إحنا الأربعة!
شريف اتسمر مكانه:
—ماما؟! إحنا مين؟
وهنا يوسف الصغير (خمس سنين) مسك في إيد نورهان وقال بعفوية:
—ماما نورهان وبابا كريم هما اللي كفلونا وعملولنا بيت!
وبعدها جنى وأحمد كملوا ورا بعض بصوت عالي وواضح:
—أيوا دي مامتنا!
أربع أصوات صغيرة نطقوا الكلمة اللي شريف عمره ما كان يتوقع يسمعها: “ماما.. وتيتة.. وعيلة كاملة” منيرة كانت مسحاها تماماً من تاريخها عشان تتجوزه.
شريف مسك الدوسية الأزرق من حجر نورهان وفتحه بذهول. كان فيه شهادة الميلاد الأصلية لنورهان باسم منيرة وطارق، وأوراق الوصاية والتأهيل الطبي، وورق كفالة الأطفال الأربعة اللي نورهان وكريم أصروا يحطوا فيه اسم العيلة عشان يضمنوا حقوقهم.