قصة
بس لسة مايعرفش لأي درجة أنا مستعدة أنفذله رغبته دي…
حط إيده على الشنطة السودة وأنا لسة ماسك القلم.
—أيه اللي لازم أفهموه؟ —سألت.
قعد جنبي على السرير وبص لسليم اللي كان نايم في سريره البلاستيك.
—إنك تمشي بمزاجك مش زي ما عماد أمرك تختفي.
حسيت الدموع اتجمعبت في عينيا تاني.
—يا بابا، أنا مبقتش عايزة أحارب عشان حد حتى ما سألش إذا كنت عايش ولا ميت.
غمض عينيه ثانية.
ولما فتحهم، كانوا محمرين.
—أنا عارف يا بنتي. بس مش عايزك بكرة تندمي وتحسي إن مكنش قدامك حل تاني.
المحامي فضل ساكت وأنا بقلب في الورق.
وساعتها لقيت حاجة خلتني أوقف القلم.
الاتفاق كان مكتوب فيه بوضوح إن عماد متنازل عن أي رؤية منتظمة. مفيش أي عيد ميلاد محجوز، ولا حتى عيد، ولا حتى فرصة واحدة يشوف فيها سليم لما يخرج من المستشفى.
قريت البنود دي تاني.
—هو اللي وافق بنفسه على كل ده؟ —سألت.
—دي التعليمات اللي أخدتها من الأستاذ عماد —رد المحامي.
بابا خد الورقة.
ولما وصل للحتة دي، إيديه بدأت تترعش. حط إيده على بوقه ونزل راسه وقعد يعيط بصمت.
عمري ما شفته كده ابداً.
—ده ابنه من صلبه —همس—. حتى ما كلفش خاطره يشوفه.
المحامي بص بعيد.
وأنا بصيت لسليم وحسيت بروقان ما حسيتش بيه طول الثلاث سنين بتوع جوازي.
—يبقى عماد هياخد بالظبط اللي طلبه.
بابا رفع راسه.
—ناوية تعملي إيه؟
بصيت للخانة الفاضية اللي مفروض أمضي فيها.
—أبطل أستنى إنه يقرر يبقى جزء من حياتنا.
بس قبل ما ألحق أكمل، المحامي أشار على بند تاني في التسوية المالية وطلب مني أقرأه كويس.
فضلت باصة للشروط.
وفهمت إن قبل ما أمضي، كان لازم أخد قرار هيغير حياة سليم كلها…
فضلت باصة للبند ده، وعينيا بتتحرك على السطور اللي خطها المحامي بعناية.
المبلغ المكتوب للتسوية ماكانش مجرد نص مليون جنيه زي ما سمعت في التليفون. كان خمسة مليون جنيه، محطوطين في وديعة بنكية باسمي وباسم سليم، غير شقة تمليك كاملة في الزمالك، ومصاريف تعليم مكفولة لحد ما يخلص الجامعة.
—إيه ده؟ —سألت بصوت مندهش وانا برفع عيني للمحامي.
—أستاذ عماد أمر بتأمين مستقبل الطفل بالكامل قبل ما نسيب مصر، بناءً على طلبه الصارم بعدم المطالبة بأي حقوق مستقبلية —رد المحامي بهدوء.
بابا بلع ريقه وبص للورق بصدمة.
—ده معناه إنه… بيشترينا؟ بيشتري راحة باله بفلوسه؟
—لأ يا بابا —قولت وأنا حاسة ببرود غريب بيسري في جسمي، بس لأول مرة كان برود مريح مش مرعب—. ده ثمن رخيص قوي قصاد إنه يشتري حريته مننا.
بصيت لسليم مرة تانية. كان بيتحرك بنوم وبيحرك شفايفه كأنه بيدور على حاجة. قربت وشي وبست طفلتي الصغير على جبينه الناعم.
عماد كان مفكر إن الفلوس دي هتمسح وجوده، أو هتبقيني مدينة ليه طول عمري. ماكنش فاهم إن الفلوس دي هي بالظبط طوق النجاة اللي هيبعدني عنه للابد من غير ما أحتاج أرجع لبيت بابا وأكون عالة على حد. هأخد ابني، وأسافر الإسكندرية أو أي مكان بعيد عن كوابيس القاهرة وعن عائلة عاشور كلها، وهنبني حياة جديدة من الصفر. حياة مفيهاش أي ذكرى لراجل استخسر في ابنه نظرة.
مسكت القلم، وبخط ثابت، من غير ما تفضل إيدي تترعش زي الأول، أمضيت اسمي على الورق.
—خلاص يا بابا —قلت وأنا ببتسم لأول مرة بجد من سنين—. الصفحة اتفطرت.
المحامي لم الورق في الشنطة السودا، وقف، واداني نسخة من العقود قبل ما يخرج بهدوء من الأوضة.
بابا قرب مني وحضنني جامد، ودموعه نازلة على خده.
—هتروحي فين يا بنتي؟
—مكان ما فيش حد يعرفنا فيه يا بابا —قلت وأنا باصة من شازلونج المستشفى للسماء الصافية بره—، مكان أنا وسليم وبس.