كنت ب.فقد دم كتير بعد ما ولدت، والممريضات عمالين يطلبوا كيسين دم زيادة، لما جوزي قالي خدي ابننا المبتسر واطلعي بره القاهرة واختفي من حياته خالص. وفجأة سمعت ضحكة ست جنبه —الست اللي كان بيحبها قبل ما يتجوزني— وعماد بلغني بكل برود إن أوراق الطلاق خلاص جهزت. —عماد —همست في التليفون وأنا بأحارب عشان أوفق على حيلي وما أغمى علياش—. أنا بأتصفى، عندي نزيف شديد. ممرضة دست على كتفي بالراحة عشان أنام تاني لما حاولت أقعد. وممرضة تانية جرت من جنبي بشكاير دم والمونيتور عمال يصفّق والدكاترة بيدوا أوامر لبعض. بقي كان ناشف وزي الحطب، وإيديا تلج، وحاسة بضعف بيكبر كل ما آخد نفسي بالعافية. كنت يادوب لسة جايبة ابننا للدنيا. وماكنتش عارفة هل هأعيش عشان أشوفه تاني ولا لأ. على الناحية التانية من التليفون، جوزي كان ساكت خالص. —عماد، أنت سامعني؟ بعدها سمعت صوت ست. —أنت لسة بتتكلم معاها؟ دي كانت نيرة الألفي. الست اللي عماد كان بيموت فيها قبل ما نتجوز. نفس الست اللي وجودها حول ثلاث سنين جواز لانتظار طويل لحنية عمرها ما جت. سمعتها بتضحك ضحكة خفيفة. بعدها عماد اتكلم. —الولد اتولد كويس؟ اللحظة حسيت إني ما فهمتش السؤال. دمي كان مغرق الملايات. والممرضات بيموتوا نفسهم عشان يلحقوني. وهو كل اللي فارق معاه يعرف الولد نزل سليم ولا لأ. —أيوة —رديت بصعوبة—. كويس، ولد زي الفل. عماد طلع نفس طويل. —تمام. يبقى كده ده الوقت المناسب عشان ننهي الموضوع ده خالص. حسيت ببرودة ملهاش أي علاقة بصفية الدم اللي بنزفها. —أنت بتقول إيه؟ —الطلاق يا إيفيلين. الورق جاهز. اتكلم بكل هدوء كأنه بيراجع بنود عقد شقة. نص مليون جنيه مؤخر وتسوية. ألفين جنيه مصاريف شهرية للولد. الحضانة الكاملة ليا. ومفيش أي رؤية ليه خالص. ما سألش الولد وزنه قد إيه. ما سألش شكله إيه ولا حتى أنا مسكته في حضني ولا لأ. كان بيرتب إنه يختفي من حياتنا في نفس الوقت اللي الدكاترة بيحاولوا يمنعوني فيه إني أختفي من الدنيا. قبل ثلاث سنين، كل حاجة بدأت بدين ماليش أي ذنب فيه. شركة المصنوعات بتاعة بابا كانت على وشك الإفلاس. كان فيه عمال بيوتهم مفتوحة منها، وكمبيالات متأخرة، والوضع المالي بيبوظ يوم عن يوم. فجأة ظهر الحاج إسماعيل عاشور، جد عماد. الحاج إسماعيل عرض ينقذ الشركة، بس اشترط شرط واحد: عماد يتجوزني. بابا كان عنده معارف وعلاقات تجارية نضيفة الجد كان عايز يدخل فيها. وبابا كان غرقان ومحتاج قشة يمسك فيها. عماد من ناحيته ماكانش طايق الجوازة دي. كان بيحب نيرة. بس الحاج إسماعيل هدده إنه هيحرمه من منصبه وشركاته في مجموعة عاشور لو رفض يسمع الكلام. وهكذا اتجوزنا، اثنين ما اختاروش يكونوا مع بعض. من يوم فرحنا، وعماد بيعاملني كأني أنا اللي سرقت منه الحياة اللي كان بيتمناها. طوال ثلاث سنين حاولت أفهمه إني أنا كمان اضحى بيا. إني ما اخترتش الوضع ده بكيفي. إني مش عدوته. عمره ما رضي يسمعني. كنا عايشين تحت سقف واحد في المعادي، بس أيامنا كانت عبارة عن كلام على قد السؤال، وأبواب مقفولة، وسكوت مبيخلصش. كنت حافظة صوت خطواته وهو طالع على السلم. عارفة إمتى بيكون مش عايز حد يكلمه، وتعودت أفهم تقشيرة وشه قبل ما ينطق بكلمة. ورغم كل ده، كان بتيجي عليا أوقات ألاقي نفسي مستنية منه حركة حنينة. سؤال من قلبه. أي حاجة تخليني أحس إن الثلاث سنين دول ما راحوش هدر. في رأس السنة اللي فاتت، عماد كان شارب زيادة عن اللزوم. في الليلة دي، ولأول مرة، المسافة اللي بينا اختفت. ما اتكلمناش عن اللي فات ولا عن نيرة. ولقاطعة ساعات بطلنا نتعامل كأننا اثنين أغراب محبوسين في بيت واحد. بعدها بأسابيع اكتشفت إني حامل. فاكرة كويس لما مسكت اختبار الحمل بين إيديا قبل ما أوريهوله. عماد بصلها كذا ثانية. بعدها رفع عينيه في عينيا. —هو ده اللي كنتِ بتخططي له؟ ما سألش حتى أنا عاملة إيه أو حاسة بإيه. الكلمة شقت صدري. —لأ يا عماد. أنا ما خططتش لأي حاجة. بس هو كان خلاص صدق الفكرة اللي في دماغه. ورغم إني بتكسف أقول كده، كان فيه جزء جوايا لسة عشمام إن خلفة ابننا تغير حاجة. مكنت أقول يمكن لما يشيله بين إيديه لأول مرة يفهم إن فيه روح بيننا ملهاش أي ذنب في حاجة. يمكن يكتشف حنية عمره ما عرف يوريهاني. اتمسكت بالأمل ده طوال شهور الحمل. لحد ما جه يوم الولادة. وفي الوقت اللي الدكاترة فيه بيحاولوا يوقفوا النزيف، عماد قرر ينهي جوازنا. —ممكن تيجي عشان خاطري؟ —سألته في التليفون. صوتي كان ضعيف وطالع بالعافية لدرجة إني ما عرفتوش. ماكنتش بشحت منه حب. ولا بطلب منه يسيب نيرة. كنت بس محتاجة يقف جنبي كام دقيقة، يسأل عن ابنه، ويخليني أحس إني مش بوجع بطني وبموت لوحدي. عماد قعد كام ثانية ساكت. —ما أقدرش أسيب نيرة لوحدها. فيه حاجة جوايا اتكسرت وماتت في اللحظة دي. ماكانتش ثورة غضب، ولا صريخ ولا تهديد. أنا ببساطة بطلت أستنى. طوال ثلاث سنين كنت بحاول أخلي جوزي يشوفني بني آدمة مش العقاب اللي جده فرضه عليه. ودلوقتي، وأنا بنزف في سرير المستشفى، هو لسة بيختار ست تانية. —هات الورق —قلتله. —أنتِ موافقة على الطلاق؟ كان باين عليه إنه مستغرب بجد. بصيت للسقف والأضواء الليد بتاعة الأوضة، وحسيت بالدموع نازلة لسوايف ودني. —أنا بقالي ثلاث سنين بمشي كلامك يا عماد. سكت خالص. بعدها قال الجملة اللي هأفضل فاكراها أكتر من وجع الولادة والنزيف. —خدي الولد واختفي. انزلي أي مكان بره القاهرة، يا ريت لو تسافري بره مصر خالص. أنا هدفع كل المصاريف. كل اللي عايزه إنك تبعدي عن حياتي تماماً. بلعت ريقي بصعوبة. —أنت بجد مش عايز تشوف ابنك ولا ليك دعوة بيه؟ —كونه معاكي أصلح له. غمضت عينيا أوي. —تمام. وقفلت السكة. ماعرفش عدى وقت قد إيه بعد كده. فاكرة طشاش أصوات، وإيدين بتمسك الخرطوم في ذراعي، وواحد بيقول إنهم محتاجين يتابعوا الضغط. بعدها كل حاجة اسودت. لما فتحت عينيا تاني، كان نور ربنا مالي الأوضة. جنب السرير كان فيه سرير أطفال بلاستيك. جواه بيبي صغنون خالص، شعره أسود، وقافض إيديه الصغيرة جنب خده. كان وزنه حوالي 3 كيلو. كان عنده نفس عينين عماد. الحاجة دي بكتني قبل ما أمد إيدي وألمسه. الممرضة قربت وسألتني لو عايزة أشيله. هزيت رأسي. لما حطته في حضني، حسيت بدفاه على صدري وبنفسه الضعيف الرايح الجاي. صوابعه الصغننة مسكت صباعي وقفلت عليه. في لحظة نسيت الورق، ونسيت نيرة، وكل السنين اللي ضيعتها وبأحاول أنقذ فيها جوازي. الولد ده كان عايش. وأنا كمان عايشة. ولأول مرة من فترة طويلة، بقى عندي سبب أفكر في بكرة من غير ما أحسب حساب لعماد. —أنت اسمك سليم مراد —همستله. مراد. اسم عيلتي أنا. مش عاشور. طبطبت على راسه بالراحة. —أنت بتاعي أنا يا حبيبي. وهأعمل كل اللي أقدر عليه عشان عمرك ما تحس إنك ناقص حنية. الصبح اللي بعده، راجل ببدلة كحلي وقف على باب الأوضة. كان المحامي بتاع عماد. ماسك في إيده شنطة جلد سودة. حطها على التربيزة اللي جنب السرير وبدأ يشرحلي بنود الطلاق. عماد متنازل عن الحضانة بجميع أنواعها، وعن حق اتخاذ القرارات الطبية أو التعليمية، وعن أعياد الميلاد والأعياد وأي رؤية متظبطة، على حسب الورق اللي المحامي محضره. وأنا بأسمعه، بصيت للسرير. سليم كان نايم في سابع نومة. ماكانش فاهم إن أبوه قرر يرميه من حياته قبل ما حتى يشوف وشه. —هو سأل عليه؟ —همست. المحامي وقف كلام. —أفندم؟ —ابني. عماد سأل سليم عامل إيه؟ الراجل نزل عينيه في الأرض. وقبل ما ينطق بحرف، نظرة وشه قالتلي كل اللي محتاجة أعرفه. لأ. عماد حتى ما كلفش خاطره يطلب صورة للولد. جالي إحساس إني أرد الفولدر في وشه وأقوله اطلع بره. بس بعدين بصيت لإيدين ابني الصغيرة وفهمت إني مبقتش أقدر آخد قرارات بناءً على وجعي أنا بس. لازم أفكر فيه هو. في هدوءنا. في بكرة اللي لسة ممكن نبنيه. في اللحظة دي الباب اتفتح. بابا دخل. عينيه جابت المحلول، ووشي الأصفر، والسرير الصغير، والشنطة السودة. —فيه إيه اللي بيحصل هنا؟ —سأل. حاولت أرد من غير ما أعيط. ما عرفتش. حكيتله إن عماد عايز يطلق، ومش عايز يلمح ابنه، وطالب إننا نختفي من القاهرة. بابا سمع وهو ساكت خالص. بعدها قرب من السرير ومسك إيدي. —أنتِ مش هتروحي في أي حتة —قالها بنبرة ناشفة. بصيتله. كان عنده حق. عماد ما يقدرش يجبرني أختفي لمجرد إن دي رغبته. بس وأنا ماسكة إيد بابا، فهمت حاجة صدمتني أنا شخصياً. أنا مبقتش عايزة أقعد. مش عايزة أضل عايشة جنب راجل شايفنا حمل تقيل عايز يخلص منه. مش عايزة أقضي سنين مستنية يطلبنا في التليفون، ولا يغير رأيه، ولا يصحى في يوم يكتشف إن عنده ابن يجنن. بصيت للشنطة السودة. بعدها بصيت لسليم اللي لسة نايم جنبي. وأخدت قرار. —وريني أمضي فين —قلت للمحامي. بابا اتلفتلي وهو مصدوم. —يا بنتي، أنتِ مش مجبورة تقرري دلوقتي. بس أنا ماكنتش بصة لبابا. كنت بصة للورق ده، وعارفة إن عماد كتب شروط فراقنا وهو مش متخيل إني ممكن أوافق عليها بجد. المحامي فتح الفولدر ومشى الورق ناحيتي. مسكت القلم. ولسة بأقربه من أول خانة للإمضاء، بابا حط إيده على الورق. —قبل ما تمضي —قال بصوت واطي—، فيه حاجة في الاتفاق ده لازم تفهميها الأول... بصيت لوشه وحسيت بحاجة اتشدت جوايا تاني. عشان عماد كان طالب إننا نختفي. بس لسة مايعرفش لأي درجة أنا مستعدة أنفذله رغبته دي... حط إيده على الشنطة السودة وأنا لسة ماسك القلم. —أيه اللي لازم أفهموه؟ —سألت. قعد جنبي على السرير وبص لسليم اللي كان نايم في سريره البلاستيك. —إنك تمشي بمزاجك مش زي ما عماد أمرك تختفي. حسيت الدموع اتجمعبت في عينيا تاني. —يا بابا، أنا مبقتش عايزة أحارب عشان حد حتى ما سألش إذا كنت عايش ولا ميت. غمض عينيه ثانية. ولما فتحهم، كانوا محمرين. —أنا عارف يا بنتي. بس مش عايزك بكرة تندمي وتحسي إن مكنش قدامك حل تاني. المحامي فضل ساكت وأنا بقلب في الورق. وساعتها لقيت حاجة خلتني أوقف القلم. الاتفاق كان مكتوب فيه بوضوح إن عماد متنازل عن أي رؤية منتظمة. مفيش أي عيد ميلاد محجوز، ولا حتى عيد، ولا حتى فرصة واحدة يشوف فيها سليم لما يخرج من المستشفى. قريت البنود دي تاني. —هو اللي وافق بنفسه على كل ده؟ —سألت. —دي التعليمات اللي أخدتها من الأستاذ عماد —رد المحامي. بابا خد الورقة. ولما وصل للحتة دي، إيديه بدأت تترعش. حط إيده على بوقه ونزل راسه وقعد يعيط بصمت. عمري ما شفته كده ابداً. —ده ابنه من صلبه —همس—. حتى ما كلفش خاطره يشوفه. المحامي بص بعيد. وأنا بصيت لسليم وحسيت بروقان ما حسيتش بيه طول الثلاث سنين بتوع جوازي. —يبقى عماد هياخد بالظبط اللي طلبه. بابا رفع راسه. —ناوية تعملي إيه؟ بصيت للخانة الفاضية اللي مفروض أمضي فيها. —أبطل أستنى إنه يقرر يبقى جزء من حياتنا. بس قبل ما ألحق أكمل، المحامي أشار على بند تاني في التسوية المالية وطلب مني أقرأه كويس. فضلت باصة للشروط. وفهمت إن قبل ما أمضي، كان لازم أخد قرار هيغير حياة سليم كلها... فضلت باصة للبند ده، وعينيا بتتحرك على السطور اللي خطها المحامي بعناية. المبلغ المكتوب للتسوية ماكانش مجرد نص مليون جنيه زي ما سمعت في التليفون. كان خمسة مليون جنيه، محطوطين في وديعة بنكية باسمي وباسم سليم، غير شقة تمليك كاملة في الزمالك، ومصاريف تعليم مكفولة لحد ما يخلص الجامعة. —إيه ده؟ —سألت بصوت مندهش وانا برفع عيني للمحامي. —أستاذ عماد أمر بتأمين مستقبل الطفل بالكامل قبل ما نسيب مصر، بناءً على طلبه الصارم بعدم المطالبة بأي حقوق مستقبلية —رد المحامي بهدوء. بابا بلع ريقه وبص للورق بصدمة. —ده معناه إنه... بيشترينا؟ بيشتري راحة باله بفلوسه؟ —لأ يا بابا —قولت وأنا حاسة ببرود غريب بيسري في جسمي، بس لأول مرة كان برود مريح مش مرعب—. ده ثمن رخيص قوي قصاد إنه يشتري حريته مننا. بصيت لسليم مرة تانية. كان بيتحرك بنوم وبيحرك شفايفه كأنه بيدور على حاجة. قربت وشي وبست طفلتي الصغير على جبينه الناعم. عماد كان مفكر إن الفلوس دي هتمسح وجوده، أو هتبقيني مدينة ليه طول عمري. ماكنش فاهم إن الفلوس دي هي بالظبط طوق النجاة اللي هيبعدني عنه للابد من غير ما أحتاج أرجع لبيت بابا وأكون عالة على حد. هأخد ابني، وأسافر الإسكندرية أو أي مكان بعيد عن كوابيس القاهرة وعن عائلة عاشور كلها، وهنبني حياة جديدة من الصفر. حياة مفيهاش أي ذكرى لراجل استخسر في ابنه نظرة. مسكت القلم، وبخط ثابت، من غير ما تفضل إيدي تترعش زي الأول، أمضيت اسمي على الورق. —خلاص يا بابا —قلت وأنا ببتسم لأول مرة بجد من سنين—. الصفحة اتفطرت. المحامي لم الورق في الشنطة السودا، وقف، واداني نسخة من العقود قبل ما يخرج بهدوء من الأوضة. بابا قرب مني وحضنني جامد، ودموعه نازلة على خده. —هتروحي فين يا بنتي؟ —مكان ما فيش حد يعرفنا فيه يا بابا —قلت وأنا باصة من شازلونج المستشفى للسماء الصافية بره—، مكان أنا وسليم وبس. تمت