كيكة الشيكولاتة

كيكة الشيكولاتة

​سكون تام.

​حنان بصت لبنتها.

​”علشان كده أنا عملت واحدة.”

​وش كاريمان انهار واتفكك.

​وفجأة، الكيكة المجانية مكنتش مجرد صدقة هي اكتشفتها في تقارير المصروفات.

​دي كانت الكلمة اللي أمها سمحت بيها زمان للمساعدة، عشان كاريمان نفسها تقبلها وتقدر تاخدها من غير ما تحس بالخزي أو الإحساس بالذنب.

كاريمان كانت فاكرة إن كيكة الجمعة دي مجرد عادة عاطفية بتستنزف فلوس المخبز.

​لحد ما حنان قالت لها أول واحدة كانت لمين.

​من سبع سنين، لما كاريمان كانت لسه مطلقة جديد، ومعاهاش فلوس تقريباً، ومكسوفة تخلي بنتها اللي عندها تمانية سنين تعرف، حنان اخترعت جملة “عرض الجمعة” عشان بنتها تقدر تاخد كيكة عيد ميلاد من غير ما تحس إنها حالة إنسانية.

​كيكة زياد فجأة مبقاش موضوعها تمن تمانية جنيه خامات.

كاريمان فضلت واقفة مكانها، عيونها مثبتاً على المكان الفاضي اللي الكيكة كانت فيه على الرف. المطبخ كان هادي جداً، لدرجة صوت تلاجة العرض وهي بتشتغل كان هو الصوت الوحيد الواضح في المكان.
​”عشان كده…” همست كاريمان، والصوت طلع مهتز كأنه جاي من بعيد. “عشان كده مكنتيش بتسألي حد أبداً… وعشان كده كنتي بتصرّي إن محدش يكتب أسماء ولا يصور.”
​حنان قربت خطوة ومسحت كف إيديها في طرف المريلة بتاعتها بصمت.
​”محدش بيطلب الحاجة دي وهو مبسوط يا كاريمان،” قالت حنان بصوت هادي وخالي من أي عتاب. “والبني آدم وهو مكسور بيحتاج حفظ ماء وجه أكتر ما بيحتاج العيش نفسه. أبوكي الله يرحمه كان بيفهم ده كويس، وعشان كده عمره ما حسس زبون إنه بيعمل معاها واجب، كان بيبيع له الكرامة في علبة كرتون، ويديها له على إنها صدفة.”
​كاريمان نزلت راسها، والدموع اللي كانت محبوسة في عيونها نزلت بصمت على خدها. افتكرت اليوم ده بالذات؛ اليوم اللي دخلت فيه المخبز وهي حاسة إن العالم كله اتقفل في وشها، وإنها أم فاشلة مش قادرة تعمل لابنتها الصغيرة حتى تورتة بسيطة. افتكرت ازاي أمها استقبلتها، وازاي ابتسمت وقالت لها بكل ثقة وبساطة: “يا بنتي تعالي، ده إحنا عاملين حساب اليوم ده… ده عرض الجمعة.”
​في اللحظة دي، الفلوس والشيتس والحسابات والتكاليف، كل ده اختفى من دماغها. فهمت أخيراً إن الـ ثمانية وعشرين جنيه اللي كانت مخلتّاها تثور، مكنوش تمن دقيق وشوكولاتة، دول كانوا تمن كرامة إنسان واقف على أطراف صوابعه ومش عايز ينكسر قدام عياله.
​الباب المبرز اتفتح بخفة، ودخل واحد من الزبون الدائمين، وبص حواليه بلطف وقال: “مساء الخير يا جماعة… هو بالصدفة كده لسه فيه من… لا خلاص، ما علينا.”
​حنان بصت لبنتها نظرة واحدة سريعة، نظرة فيها سؤال صامت بس مشبع بالخبرة والحياة.
​كاريمان مسحت دموعها بسرعة بكم قميصها، ورفعت راسها، وخدت نفس عميق، وبعدين بصت لأمها وقالت بصوت ثابت وبسمة خفيفة ظهرت على وشها لأول مرة من ساعة ما رجعت:
​”لا يا أمي… استني رايحة فين؟ تعالي معايا، لسه عندنا دقيق وشوكولاتة يكفوا أسبوع تاني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *