فرح ابني

​دانيال نزل الورقة من إيده.

​—يا ماما، إيه معنى كلامك ده؟ يعني إيه مببقاش قادرة تحفظي البيانو؟

​—أنا بكبر يا بني.

​نانسى بصتلي بتركيز. وهي كانت شغالة أخصائية تخاطب وسمع في عيادة أطفال.

​—يا طنط فاطمة، ممكن أسالك سؤال؟ هو الفترة دي بقى صعب عليكِ تفهمي لو كذا حد بيتكلم مع بعض في نفس الوقت؟

​سكتت ومردتش.

​—وهل بتحتاجي تبصي في شفايف اللي قدامك عشان تفهمي كلامه؟

​حسيت بغصة في رقبتي. ودانيال قرب مني وقعد على كعب رجليه قدامي.

​—يا ماما، خالتو بتول سابت لي رسايل بتقول فيها إن سمعك بدأ يضعف، وإنتِ خافية الموضوع ده عننا شهور طويلة.

​الخبر ده هد حيلي وخلاني عارية من أي دفاع. واضطريت أعترف إن من أكتر من سنة، النغمات الحادة للبيانو بدأت تختفي من قدامي بالتدريج. الأول كانت حاجة بسيطة، وبعدين مبقتش أسمع جرس الباب، ولا الأصوات الناعمة ولا الحوارات الهادية. كنت حجزت عند دكتور بس لما جه دوري ودخلت عتبة العيادة، هربت وخفت.

​كنت مرعوبة أسمع تشخيص يقضي على مهنتي وعمري.

​—أنا بقالي عمري كله بعزف وبصلح بيانو —همست بصوت مكسور—، أقيمتي إيه لو مبقتش أسمع الموسيقى؟

​دانيال مسك إيدي وباسها.

​—إنتي لسه أمي وتاج رأسنا.

​—بس مش عايزة أبقى حمل ثقيل عليكم.

​نانسى قامت وقفت وبصت للبيانو القديم المقفول.

​—معاكِ الشوكة الرنانة بتاعتك يا طنط؟

​طلعتها من شنطتي. وكانت قطعة حديد صغيرة بتعمل نمرة دقيقة لما بتتهز.

​نانسى خبطت عليها بخفة وقربتها من ودان سامعي.

​—سامعاها يا طنط؟

​—بعيد أوي وضعيفة.

​بعدين حطت قاعدة الشوكة على العظمة اللي ورا ودانيال.. قصدي ورا وداني أنا.

​الصوت ظهر فجأة واضح، عميق، ونقي بطريقة مبهرة.

​—كدة سامعاها كويس جداً —شرحت لها—، وبقالي شهور بشتغل بالطريقة دي.

​نانسى بدلت نظرة قلق مع دانيال. وعادت التجربة تاني. وبعدين سألتني بقالها قد إيه الحكاية دي معايا؟

​ولما جاوبتها، عيونها اتملت دموع.

​—يا ط0نط فاطمة، العلامة دي مؤشر مهم جداً. وده مش معناه بالضرورة إنك فقدتِ السمع للأبد.

​دانيال قام وقف بسرعة.

​—إنتي تقصدي إيه يا نانسى؟

​نانسى خدت نفس عميق وقالت:

​—فيه حالة مرضية ممكن تعمل النوع ده من ضعف السمع بالتحديد، وفي حالات كتير ليها علاج وشفاء كمان.

​لأول مرة من فترة طويلة حسيت ببارقة أمل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *