مش هضيع

—مش هضيع عمري اللي لسه ببدأه من جديد وأنا بدق زق في كرسي بعجل —قالتها اختي منيرة في مطبخي، وهي فاكرة إن بنتها مش سامعاها من الاوضة جوه.
​حسيت بإيدي اتجمدت مكانها.
​نورهان كان عندها اتناشر سنة. قبلها بتلات أسابيع كان حصلها حادثة عربية وهي راجعة من رحلة تبع المدرسة قريبة من إسكندرية. إصابة الضهر دي غيرت حياتها في ثواني. الدكاترة كانوا حذرين جداً: هيكون فيه عمليات، وتأهيل، وعلاج طبيعي، وحاجات كتير هتحتاج تتعلم تعيش بيها بشكلي تاني. محدش وعدنا إنها هترجع تمشي تاني.
​منيرة عيطت في المستشفى أول كام يوم. بعد كده بدأت تتكلم عن إنها “ترتب حياتها”.
​طليقها، طارق، كان عايش في أسوان من ساعة الطلاق. كان بيكلمنا من فين لتقين ويبعت فلوس، بس قالها بصراحة إن شغله وشقته هناك مش مجهزين يستقبلوا نورهان. منيرة طلبت مني إن البنت تقعد معايا “كام أسبوع”، عشان بيتي في المقطم كان دور أرضي وقريب من مركز التأهيل.
​أنا وافقت.
​وجوزي أيمن وافق هو كمان.
​شيلنا السجادة من الطرقة، ونزلنا الأطباق والكبابي لرفوف واطية يعرف أي حد يطولها، وحطينا كرسي مخصوص في الحمام، وعملنا رمبة صغيرة عند باب الشقة. أكتر حاجة كانت بتوجع قلبي إن نورهان كانت بتبص لكل تغيير بنعمله كأنه دين عليها.
​كانت بتستأذن عشان تفتح التلاجة.
​وكانت بتعتذر لو أنا استأذنت بدري من شغلي عشان أوديها الجلسة.
​في يوم أختي حاولت تطول طبق لوحدها. الكرسي اتقلب بيها شويه، والطبق وقع في الحوض واتكسر. نورهان حتى مبصتش على الإزاز المكسور.
​بصتلي أنا.

​—آسفة يا طنط رشا.
​كان طبق بياعة تلاتين جنيه. بس هي كانت بتموت من الرعب كأنها كسرالي البيت كله.
​منيرة بدأت تقلل زياراتها. الأول كانت بتيجي مرتين في الأسبوع. بعدين مرة. وبعد كده بدأت الأعذار تظهر: شغل زيادة، شقة جديدة، مشوار، زحمة الشوارع، تعبانة.
​لحد اليوم ده في مطبخي.
​سألتها ناويين تاخدي بنتك امتى.
​—هي مرتاحة عندك —ردت عليا—. أنتِ عندك وسع، وقتك أفضى، وبالك طويل.
​—أنا مأسألتكيش هي مرتاحة عندي ولا لا. أنا بسألك هترجعلك امتى.
​منيرة عضت على شفايفها.
​وراحت قايلة الجملة دي.. إنها مش مستعدة تقضي بقية حياتها تزق كرسي بعجل.
​قلتلها تطلع برة بيتي.
​ولما قفلت الباب، لمحت خيال بيتحرك من تحت باب اوضة نورهان.
​كانت سمعت كل كلمة.
​الليلة دي أكلت نص ساندوتش وماعيطتش. وده خوفني أكتر وأكتر.
​بعدها بساعات دخلت لقيتها بتلم هدومها في نفس شنطتها اللي جت بيها.
​—بتعملي إيه؟
​—أنا ممكن أمشي أروح أي حتة. مش عاوزة أكون تقيلة عليكِ أنتِ كمان.
​قعدت قدامها.
​نورهان وشت وشها في الأرض وسألتني سؤال لسه، بعد تلاتاشر سنة، سامعاه في ودني بوضوح تام:
​—طنط… أنتِ لسه عايزاني عندك؟
​—اه.
​ما عملتش خطب. ولا وعدتها بمعجزات. بس قلت اه.
​تاني يوم الصبح فتحت الدوسية الأزرق اللي فيه ورق جلساتها. كان فيه مواعيد لشهر سبعة، وثمانية، وتعة، وعشرة. الموضوع عمره ما كان “كام أسبوع”.
​الـ “اه” دي كان لازم تشيل كتير أوي.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *