حم.ايا
حمّاي أبو جوزي شنطة السوق برجله وخبطها في المطبخ كله عشان اشتريت نوع كورن فلكس غلط. بس الجزء الأكتر وجعاً ما كانش البيض اللي اتكسر ولا اللبن وهو نازل يغرق الأرض—اللي وجع قلبي بجد هو لما لقيت ابني الصغير بينزل بهدوء من على الكرسي وبيوضب شنطة المدرسة بتاعته عشان يهرب.
وفضل أبو جوزي واقف فوق الأكل المبهدل، بيتنفس بصوت عالي كأن علبة الكرتون شتمته شخصياً، وابني كان قاعد على ركبه على الأرض بيوضب إزازة المية، وبعدها السويت شيرت، وراح على مدخل البيت جاب الكوتشي بتاعه وحطه جوه الشنطة كمان.
سألته: “بتعمل إيه يا حبيبي؟”
مرفعش عينه وهو بيقفل السوستة: “بجهز عشان أمشي.”
أبو جوزي تريق وقال: “شايفاكي بتعلميه إيه؟ دراما ودلع.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من خبطة الحاجات في الدولاب. ابني مكنش بيعيط ولا بيعمل نوبة غضب، كان بيجهز نفسه بهدوء وبكفاءة. راجل كبير بيتعصب ويهلوس على أكل الفطار كانت مجرد إشارة خطر تانية اتعلم يتعامل معاها.
لما وطيت وسألته ليه فاكر إننا ماشيين، بص بصة متخلفة لجده وهو مرعوب وقال: “عشان جدي زعلان بجد المرة دي.”
المرة دي.
أبو جوزي قرب بسرعة وهو بيقلل من الموضوع: “يا سلام، عيال وبتتكلم. إنتي هتعملي من الحبة قبة عشان شطرت الكيس برجلية؟ هو محتاج ينشف شوية.”
بقالي شهور بقيس تصرفات الراجل ده السمّاسة باللي معملوش. ممدش إيده عليا ولا على ابني، ومخبطش في الحيط. كنت دايماً بقول لنفسي إن صراخه اللي بيقعد بالساعة ده هو طبعه وخلاص. بس ابني مكنش بيقيس أي حاجة من دي، ابني كان بيقيس طريق الهروب.
جوزي دخل من الجراج واتسمر في مكانه. بص على البيض المكسور، والأرض اللي غرقت لبن، وأبوه العصبي، وابننا الصغير وهو ماسك شنطة مليانة.
سأل بزعيق: “إيه اللي حصل؟”
أبوه رد بسرعة: “مراتك جابت نوع الحبوب اللي قلتلها بالذات متجبهوش.”
ولما صححت له الكلام، أبو جوزي شاور عليا بصباعه: “إنتي اخرسي خالص! دي أصلاً قاعدة على الواحدة وعايزاني أمشي.”
شددت نفسي، وكنت متوقعة جوزي كالعادة هيحاول يهدي النفوس ويسكت زي ما بيعمل كل مرة. بس المرة دي، طنش أبوه خالص ونزل على ركبه قدام ابني وقال له بحنية: “يا بطل، شنطتك متروسة ليه؟”
جده قاطعهم وقال: “أصله بيقلدها.”
قال جوزي بصوت هادي وهو عازل أبوه خالص: “قولي.”
ابني بلع ريقه بصعوبة: “لما جدي بيتعصب، ماما دايماً بتقولي الكوتشي فين.”
وش جوزي اتجمد تماماً. أنا نفسي مكنتش واخدة بالي إني كنت بعمل كده. كل ما الصراخ يبدأ، كنت بلا إرادية أبص على بلكونة شارع الهرم أو باب الشقة وأتأكد من المفاتيح، وأخلي ابني عارف الكوتشي بتاعه مرمي فين.
جوزي سأله: “هو إنت فاكر إننا لازم نمشي كل ما جدي يتعصب؟”
ابني هز راسه: “أنا بس عايز أكون جاهز قبل ما حد يقول إننا تأخرنا.”
أبو جوزي رجع يتريق تاني، بس جوزي وقف ووضع جسمه اتغير خالص. سنين طويلة كنت بشوفه بينكمش قدام أبوه وأول واحد بيعتذر عشان يلم الموضوع. مش النهاردة.
ولما أبوه فتح بوقه عشان يزعق تاني، جوزي رفع إيده بحزم وقال بصوت قاطع: “لأ، كفاية لحد كده.”
ساعتها، ابني الصغير مشى على أرض المطبخ المبهدلة، قلع الشنطة من على ظهره، وحطها بإيديه الاتنين جوه إيد أبوه.
إيه اللي بيحصل لما جوزي يقرر أخيراً يقف قدام أبوه السام؟
على باب الشقة، جوزي مد إيده جاب المفتاح الاحتياطي من على علاقة المفتاحين اللي في الحيطة وحطه في إيد أبوه المفتوحة.