حم.ايا

​جوزي قعد جنبي وقال: “مش عايزه يتعلم إن الحب معناه إنك تفضل كتم في نفسك لغاية ما الموضوع يسوء أكتر.”

ولا أنا كمان كنت عايزه كده. عشان كده بطلنا نتناقش هل خبطة الحاجات برجله كانت مستاهلة نمشي ولا لأ.. دي كانت المصيدة. السؤال الحقيقي كان: ليه طفل صغير يعمل رد فعل جاهز لعصبية راجل كبير؟ وليه أنا أوتوماتيكياً بقيت أدوّر على المفاتيح؟ وليه جوزي بيبقى أهدى وأكمش قدام أبوه عن أي حد تاني في حياته؟ الإجابات دي كانت موجودة من قبل ما علبة الكورن فلكس تدخل البيت اصلاً.

​على مدار الأيام اللي بعد كده، أبو جوزي حاول بكذا طريقة ينفس عن غضبه: قال إننا بمبالغ، وإن العائلات بتتخانق عادي، وإن الأطفال لازم يتعلموا إن الكبار بيتعصبوا، وقال إن جوزي بقى خفيف ورهيف، وإنني كنت بدور على سبة عشان أمشي!

جوزي ممشيش ورا نقطة نقطة يثبت عكسها، كان بيرجع لحاجة واحدة بس: “ابننا وضّب شنطته عشان يهرب قبل ما حد فينا يقوله كلمة.” مكنش في حاجة أبوه يقدر يقولها قدام الحقيقة دي غير إنه يحاول يثبت إنها مش مهمة.. وده بالذات اللي أثبت لنا أد إيه هي كانت مهمة!

​في لحظة، أبو جوزي أصر إنه يعتذر للولد ونعدي الموضوع، بس جوزي رفض يخلي ابننا هو الوسيلة اللي يصالح بيها الكبار: “هو مش مطالب يخليك تحس إنك سامحت نفسك.” الكلمة دي كانت قوية جداً بالنسبة لي.. جوزي قعد سنين بيعمل الشغلانة دي بنفسه: أبوه يتعصب، بعدين يندم، وكلنا نجري نخلي ندمه مريح بسرعة! جوزي كان بيعتذر عن إنه اتضايق من حاجات اتعملت فيه لمجرد إن ندم أبوه كان بيتعامل معاه كطوارئ! بس المرة دي، رفض يورث الشغلانة دي لابننا. ولأول مرة، تركيز العيلة فضل على التصرف نفسه بدل ما نجري على الصلح. وأبوه مكنش عاجبه كده، كان عايز خناقة يكسبها أو اعتذار يستقبله، والحدود مفيهاش ده ولا ده.

​محدش عمل مواجهة درامية أخيرة، مفيش جملة سحرية أصلحت طباع سنين. جوزي لسه بيحب أبوه، والحب ده متمسحش لما المفتاح اتسلم، بالعكس ده خلي القرار أصعب. هو مكنش بيرفض شخص غريب أذاه مرة، هو كان بيغير قواعد علاقة شكلت حياته من وهو طفل. أيام كان بيبقى زعلان، وأيام متضايق، وأيام خايف يكون بالَغ.. وفي الأيام دي مكنتش بفَكّره باللبن أو البيض، كنت بفَكّره بشنطة المدرسة. ومكانش بيجادل فيها أبداً.. ولا أنا. لأن الشنطة هي الحاجة الوحيدة اللي مفيش أمل لتبريرها. مكنتش عفش مكسور ولا علامة ضرب، مكنتش نوع الأدلة اللي الكبار بيستنوها عشان يبرروا قرارهم.. كانت مجرد تجهيز هادي من طفل صغير، وده كان كفاية جداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *