حمّاي أبو جوزي شنطة السوق برجله وخبطها في المطبخ كله عشان اشتريت نوع كورن فلكس غلط. بس الجزء الأكتر وجعاً ما كانش البيض اللي اتكسر ولا اللبن وهو نازل يغرق الأرض—اللي وجع قلبي بجد هو لما لقيت ابني الصغير بينزل بهدوء من على الكرسي وبيوضب شنطة المدرسة بتاعته عشان يهرب. وفضل أبو جوزي واقف فوق الأكل المبهدل، بيتنفس بصوت عالي كأن علبة الكرتون شتمته شخصياً، وابني كان قاعد على ركبه على الأرض بيوضب إزازة المية، وبعدها السويت شيرت، وراح على مدخل البيت جاب الكوتشي بتاعه وحطه جوه الشنطة كمان. سألته: "بتعمل إيه يا حبيبي؟" مرفعش عينه وهو بيقفل السوستة: "بجهز عشان أمشي." أبو جوزي تريق وقال: "شايفاكي بتعلميه إيه؟ دراما ودلع." الكلمة دي وجعتني أكتر من خبطة الحاجات في الدولاب. ابني مكنش بيعيط ولا بيعمل نوبة غضب، كان بيجهز نفسه بهدوء وبكفاءة. راجل كبير بيتعصب ويهلوس على أكل الفطار كانت مجرد إشارة خطر تانية اتعلم يتعامل معاها. لما وطيت وسألته ليه فاكر إننا ماشيين، بص بصة متخلفة لجده وهو مرعوب وقال: "عشان جدي زعلان بجد المرة دي." المرة دي. أبو جوزي قرب بسرعة وهو بيقلل من الموضوع: "يا سلام، عيال وبتتكلم. إنتي هتعملي من الحبة قبة عشان شطرت الكيس برجلية؟ هو محتاج ينشف شوية." بقالي شهور بقيس تصرفات الراجل ده السمّاسة باللي معملوش. ممدش إيده عليا ولا على ابني، ومخبطش في الحيط. كنت دايماً بقول لنفسي إن صراخه اللي بيقعد بالساعة ده هو طبعه وخلاص. بس ابني مكنش بيقيس أي حاجة من دي، ابني كان بيقيس طريق الهروب. جوزي دخل من الجراج واتسمر في مكانه. بص على البيض المكسور، والأرض اللي غرقت لبن، وأبوه العصبي، وابننا الصغير وهو ماسك شنطة مليانة. سأل بزعيق: "إيه اللي حصل؟" أبوه رد بسرعة: "مراتك جابت نوع الحبوب اللي قلتلها بالذات متجبهوش." ولما صححت له الكلام، أبو جوزي شاور عليا بصباعه: "إنتي اخرسي خالص! دي أصلاً قاعدة على الواحدة وعايزاني أمشي." شددت نفسي، وكنت متوقعة جوزي كالعادة هيحاول يهدي النفوس ويسكت زي ما بيعمل كل مرة. بس المرة دي، طنش أبوه خالص ونزل على ركبه قدام ابني وقال له بحنية: "يا بطل، شنطتك متروسة ليه؟" جده قاطعهم وقال: "أصله بيقلدها." قال جوزي بصوت هادي وهو عازل أبوه خالص: "قولي." ابني بلع ريقه بصعوبة: "لما جدي بيتعصب، ماما دايماً بتقولي الكوتشي فين." وش جوزي اتجمد تماماً. أنا نفسي مكنتش واخدة بالي إني كنت بعمل كده. كل ما الصراخ يبدأ، كنت بلا إرادية أبص على بلكونة شارع الهرم أو باب الشقة وأتأكد من المفاتيح، وأخلي ابني عارف الكوتشي بتاعه مرمي فين. جوزي سأله: "هو إنت فاكر إننا لازم نمشي كل ما جدي يتعصب؟" ابني هز راسه: "أنا بس عايز أكون جاهز قبل ما حد يقول إننا تأخرنا." أبو جوزي رجع يتريق تاني، بس جوزي وقف ووضع جسمه اتغير خالص. سنين طويلة كنت بشوفه بينكمش قدام أبوه وأول واحد بيعتذر عشان يلم الموضوع. مش النهاردة. ولما أبوه فتح بوقه عشان يزعق تاني، جوزي رفع إيده بحزم وقال بصوت قاطع: "لأ، كفاية لحد كده." ساعتها، ابني الصغير مشى على أرض المطبخ المبهدلة، قلع الشنطة من على ظهره، وحطها بإيديه الاتنين جوه إيد أبوه. إيه اللي بيحصل لما جوزي يقرر أخيراً يقف قدام أبوه السام؟ على باب الشقة، جوزي مد إيده جاب المفتاح الاحتياطي من على علاقة المفتاحين اللي في الحيطة وحطه في إيد أبوه المفتوحة. أبوه بص لتحت للمفتاح بذهول، وبعدين رفع عينه وسأله: "إيه ده مفروض يعني؟" جوزي بص ناحية مدخل البيت، حيث ابني كان واقف جنبي وماسك كفي بإيده الاتنين جامد، وقال بصوت حاسم: "إحنا مش هنبات هنا النهاردة." أبوه ضحك ضحكة قصيرة، بس مكنش فيها أي ذرة هزار، وقال بسخرية: "على شوية كورن فلكس؟" جوزي مردش في ساعتها، مش المرة دي. بص تاني على المطبخ: علبة اللبن المفتوحة جنب الدولاب، قشر البيض المكسور اللي لازق على الأرض، وعلبة الكورن فلكس المرمية على جنب مطرح ما شنطة السوق وقعت. وبعدين عينه نزلت على شنطة المدرسة بتاعت ابننا وقال بصوت واثق: "الموضوع مش كورن فلكس خالص." أبو جوزي قبض إيده بغضب على المفتاح وقال بعصبية: "يبقي هي كده أخدت اللي كانت عايزاه في الآخر." جوزي هز راسه بالنفي: "هو اللي جهز شنطته ومشى قبل ما أمه تنطق بكلمة واحدة." أبوه كان لسه هيتكلم، بس جوزي كمل كلامه: "هو كان عارف يعمل إيه أول ما إنت اتعصبت.. وهي دي المشكلة." ابني قرب مني أكتر ولزق في جنبي. حسيت بيه في ساعتها، وجوزي كمان حس بيه. بطل كلام مع أبوه ولف لنا: "يلا بينا." بس كده. من غير خطب، ولا بيانات درامية، ولا حرج على أبوه إنه يعتذر قبل ما نمشي. جوزي مسك شنطة ابني بإيد، وفتح باب الشقة بالإيد الثانية. وأنا شلت شنطة إيدي والمفاتيح اللي كنت براجع عليها من غير ما أحس. التفصيلة دي فضلت معلمة معايا.. المفاتيح كانت في إيدي أساساً! من كتر ما اتعودت أستعد لأي انفجار، كان جسمي بياخد قرارات وخطوات قبل ما عقلي يستوعب إيه اللي بيحصل. أبو جوزي مشي ورايا لغاية مدخل الشقة: "إنتو ماشيين بجد ومسيبين البيت عشان انفعلت شوية؟" جوزي لف له وقال: "إحنا ماشيين عشان ابننا شايف إن عصبيتك دي معناه إنه لازم يحضر خطة هروب." أبوه شاور عليا بغل: "وهو اتعلم الحركة دي من مين غيرها؟" جوزي بص لإيدي والمفاتيح اللي فيها، وبعدين بص لأبوه تاني وقال: "مننا إحنا الاتنين.. وهو بيشوفنا وبنتعامل معاك وإنت متعصب." الكلمة دي نزلت على أبوه زي الصاعقة. كان مستعد يرمي اللوم عليا، بس مكنش يعمل حسابه إن ابنه يحط نفسه معايا في نفس الكفة. لسنين طويلة، كان جوزي بيبرر لأبوه تصرفاته بأعذار تبدو منطقية: "أبويا صوته عالي بس"، "أبويا مبيقصدش نص الكلام لما بيتعصب"، "أبويا اتربى بطريقة مختلفة"، "أبويا بيهدى بسرعة"، "أبويا مش هيأذي حد". كل تبرير كان يخلينا نبلع الموقف اللي بعده. برر الزعيق، وبرر الانتقاد، وبرر ليه أبوه ممكن يحول طلب بسيط أو أكلة مش عاجباه أو اختلاف عادي لمأتم ومحاضرة عن الاحترام تقعد بالساعة! برر كتير لدرجة إننا متعودين إن دي طبيعة الحياة.. بس ابني أخد باله من حاجة تانية خالص: الكوتشي، المفاتيح، الشنطة، والهروب. الأشكال الصغيرة مش محتاجة مصطلحات عشان تفهم الخوف، هي بتعمل روتين حوليه وخلاص. وش أبو جوزي اتشنج وقال: "طيب، امشوا! وهترجعوا لما تهدي النفوس." جوزي فتح الباب أكتر وقال: "يمكـن.. بس مش عشان هنمثل إن ده مفيش حاجة حصلت." نزلنا وركبنا العربية، وابني قعد في الكرسي اللي ورا وحاطط الشنطة على رجله. مطلعش منه سؤال إحنا رايحين فين.. وده وجعني أكتر من لو كان عيط. ربطت له حزام الأمان، وعلى طول بص على باب العربية اللي جنبه، وبعدين الباب التاني، وبعدين بص ناحية العمارة. جوزي شاف الحركة دي في مراية العربية، نزل على ركبه جنبه وقال له بحنية: "يا حبيبي.. مش محتاج تفضل مراقب الوضع." إيد الولد مسكت في ذراع الشنطة جامد وسأل: "جدو جاي وارنا؟" "لأ." "هو لسه زعلان؟" جوزي سكت ثانية وقال: "غالباً اه." ابني بص ناحية الباب تاني، وجوزي حط إيده على الشلتة وممسكوش غير لما الولد هو اللي قرب منه الأول، وقال له: "زعل جدو مش هو اللي بيحدد إحنا هنعمل إيه دلوقتي." ابني بص في وشه وقال: "إحنا عملنا حاجة غلط؟" "لأ." "وماما كمان؟" "وماما كمان." ساعتها بس كتاف ابني نزلت شويه وارتخت.. مكنتش واخدة بالي إنها كانت مشدودة ومتشنجة كده. جوزي قفل الباب بالراحة، وفضل واقف جنب العربية كذا ثانية وحاطط إيده على السقف. كان شكله زي واحد بيراجع شريط ذكريات شهور ورا في دماغه ويدوبك مستوعب إن كلها قصة واحدة! لما قعد في كرسي السواق، مطلعش بالعربية على طول. مسك الدركسيون جامد، وسابه، ومسكه تاني، وقال: "كنت عارف إن العيشة معاه صعبة.. بس مكنتش أعرف إن ابننا بيعمل حساب خطة طوارئ بسببه." رديت وأنا باصة للمفاتيح في حجري: "ولا أنا كمان كنت أعرف." بصلي وقال: "وإنتي كمان كنتي بتعملي حسابك بسببه." مكنش في داعي للإنكار، فقلت له: "أيوه." هز راسه وقال: "وأنا كنت فاكر إني بلم الموضوع وبحافظ على الهدوء!" من الكرسي اللي ورا، ابني سأل بصوت هادي لو ينفع يطلع الكوتشي من الشنطة. الطلب كان عادي جداً لدرجة إني كنت هعيط. رديت عليه: "أكيد يا حبيبي." فتح السوستة وطلع الكوتشي حطه على الأرض، وبعدين طلع السويت شيرت وطبقه على رجله. جوزي كان بيبص عليه في المراية.. كان شايفه وهو بيوضب الحاجات دي كأدوات هروب، ودلوقتي بيشوفه وهو بيطلعها لمجرد إن في حد كبير أخيراً أخد قرار بداله وحماه. تحركنا بالعربية، وفي أول كام دقيقة محدش اتكلم. السكوت مكنش مريح، بس كان سكوت القرار اللي بتفكر فيه مية مرة من غير ما تعترف لنفسك إنك بتفكر فيه. كنت مستنية جوزي يرجع يدافع عن أبوه تاني.. مدافعتش. كنت مستنية يقول نرجع ونستنى كذا ساعة.. مقالش. كنت مستنية إحساس الذنب يخليني ألف بالعربية ونرجع.. مفيش. بدل كل ده، جوزي قال لي: "عايز أقولك على حاجة." بصيت له، وكان باصص على الطريق وزانق إيده في الدركسيون: "وأنا صغير، كنت بعرف يومنا هيبقى عامل إزاي من الطريقة اللي بيقفل بيها ضلفة المطبخ! مش لما يرقعها.. لأ، الطريقة اللي بيقفل بيها لما يكون متضايق. لو سمعت الصوت ده، كنت بروح أنظف حاجات نظيفة أصلاً، أراجع الواجب مية مرة، وأبعد عن الأوضة اللي هو فيها خالص." كنت عارفة أجزاء من طفولته، بس عمره ما حكى التفصيلة دي. سألته: "ليه ممحكتليش قبل كده؟" هز راسه بإحراج وقال: "عشان مكنتش فاكر إن ده محسوب أو مهم." وهنا كانت النقطة.. نفس الحسبة اللي كنت بحسبها: مفيش حاجة اتكسرت جامد، محدش اضرب، مفيش حاجة درامية عشان نقول إن الجو توكسيك. أبوه علمه يقيس الأذى بـ "أوحش حاجة مفيش حصلت"، وأنا اتعلمت نفس الحسبة، بس ابننا متسلمش للعبة دي.. كان بيقيس باللي جسمه وعقله بيقولوا له اعمله. جوزي سكت شوية وبعدين قال: "لما بابا دخل المطبخ النهاردة، أنا عملت نفس الحركة." "عملت إيه؟" "فكرت إزاي أهديه وأخليه يقلل عصبيته، قبل ما أفكر إنتوا الاتنين كويسين ولا لأ!" افتكرت اللحظة اللي دخل فيها من الجراج وبص على الأرض وأبوه وأنا والشنطة، وفجأة ملامح وشه اتغيرت. قلت له: "بس إنت وقفت عند حدك ومكملتش." قال: "تأخرت." قلت له: "بس وقفت.. وده المهم." ابني طلع لقدام على قد ما حزام الأمان جاب معاه وقال: "بابا؟" "نعم يا بطل؟" "هو جدو ينفع يزعل وإحنا مش هناك؟" جوزي غمض عينه ثانية وقال: "هو يحس باللي يحس بيه، إحنا مش مجبرين نقف جنبه وهو بيتعصب." ابني فكر في الكلمة ورجع لورا، وبعدها بكام دقيقة طلب إزازة المية وناولتهاله. وده كان أول طلب طبيعي يطلع من حد فينا من ساعة ما علبة الكورن فلكس وقعت على الأرض. على ما وصلنا ونزلنا في مكان نبات فيه، موبايل جوزي بدأ يرن وينور بمسجات. بص على الشاشة مرة وقلبه على وشه. متمناش أسأله الرسائل فيها إيه، كنت متوقعة النمط: زعيق، بعدين اتهام، بعدين تبرير يقلل من اللي حصل. جوزي متكلمش ولا مسك الموبايـل غير لما ابني نام وسكن. ساعتها بس فتح الرسائل. وشه اتشنج بس مردش في ساعتها. سألته: "بيقول إيه؟" "بيقول إني أحرجته، وإنك بتستغلي ابننا ضده، وإنه شاط حاجات المطبخ برجله ممش ايد حد!" بصيت بعيد.. أهي نفس الحسبة تاني: "مش إنسان!" كأن عدم وجود ضربة مباشرة بيمسح صوت الشنط وهي بتترزع في الدواليب، أو اللبن اللي غرق الأرض مبيدلش على الخوف، أو إن شنطة المدرسة المتروسة دي ملهاش قيمة! جوزي كتب رسالة.. مسحها.. كتب تاني.. ومسحها. في الآخر حط الموبايل وقال: "أنا مش هدخل في مجادلة على حقايق هو عارفها." ودي كانت حاجة جديدة برضه. أبوه كان بيعشق الجدال عشان الجدال بيدي له منفذ؛ لو تجادلت معاه هل زعيقه قعد 3 ولا 10 دقائق، النقاش ميبقاش عن الزعيق اصلاً! لو تجادلت هل شطرت الحاجة يخوف ولا لأ، الطفل المرعوب يختفي من المكالمة! ولو دافعت عن أسلوبك أو كلامك، هتشغل نفسك بإنك تثبت إنك ليك حق تترعب، ومحدش هيتناقش في السبب الأساسي. جوزي مدخلش المتاهة دي. بعت رسالة واحدة قال له فيها إننا بأمان، وإننا مش هنكمل الكلام ده طالما بيرمي اللوم عليا أو على ابننا، وإن العيشة مع بعض بالشكل ده مش هتنفع تكمل. وبعدين عمل مكتوم (Mute) للموبايل. من غير تهديد، من غير شتيمة، من غير كلمة تجرح.. مجرد حدود أبوه ميعرفش يفاوض فيها بصوته العالي. بصيت لجوزي وهو بيحط الموبايل: "إنت كويس؟" حط إيده على وشه وقال: "لأ.. بس أظن إني كنت بلخبط بين إحساسي إني 'كويس' وإحساسي بـ 'الاعتياذ' لفترة طويلة." ابني مانامش كويس الليلة دي. صحي مرتين يسأل إحنا راجعين البيت؟ أول مرة قلت له مش راجعين النهاردة. تاني مرة جوزي رد عليه: "مش محتاج تفضل باصص ومستني جدو يا حبيبي، كمل نومك." والولد نام فعلاً. التاني يوم الصبح، لقيت الشنطة جنب الكوتشي بتاعه. صدري اتخنق ثانية أول ما شفتها، بس بعدين لاحظت إن الشنطة مفتوحة، والسويت شيرت طالع نصها بره، وفي ورقة مكرمشة في الجيب القداماني، وإزازة المية واقفة جنبها على الأرض. رجعت شنطة طفل عادية تاني.. مبهدلة، ومش متوضبة بطوارئ، وعادية جداً. جوزي لاحظ إني باصة للشنطة وقال: "مش قادر أبطَّل تفكير في الكلمة اللي قالها في المطبخ." كنت عارفة الكلمة بالظبط.. ابني كان عايز يجهز نفسه قبل ما الكبار يقرروا إننا تأخرنا! إحنا معملناهوش الكلمة دي مباشرة، بس علمناه المنطق اللي وراها. كل مرة كنت بدور فيها على مفاتيحي وسط الزعيق، علمته إن الهروب مهم. وكل مرة جوزي كان بيهدي أبوه بدل ما يوقفه عند حده، كان بيعلمه إن مزاج جدو هو اللي بيتحكم في البيت كله. وكل مرة كنا بنكمل أكل ونعمل نفسنا طبيعيين، علمناه إن "الطبيعي" هو إننا ننظف القرف ونعدي المواقف! جوزي قعد جنبي وقال: "مش عايزه يتعلم إن الحب معناه إنك تفضل كتم في نفسك لغاية ما الموضوع يسوء أكتر." ولا أنا كمان كنت عايزه كده. عشان كده بطلنا نتناقش هل خبطة الحاجات برجله كانت مستاهلة نمشي ولا لأ.. دي كانت المصيدة. السؤال الحقيقي كان: ليه طفل صغير يعمل رد فعل جاهز لعصبية راجل كبير؟ وليه أنا أوتوماتيكياً بقيت أدوّر على المفاتيح؟ وليه جوزي بيبقى أهدى وأكمش قدام أبوه عن أي حد تاني في حياته؟ الإجابات دي كانت موجودة من قبل ما علبة الكورن فلكس تدخل البيت اصلاً. على مدار الأيام اللي بعد كده، أبو جوزي حاول بكذا طريقة ينفس عن غضبه: قال إننا بمبالغ، وإن العائلات بتتخانق عادي، وإن الأطفال لازم يتعلموا إن الكبار بيتعصبوا، وقال إن جوزي بقى خفيف ورهيف، وإنني كنت بدور على سبة عشان أمشي! جوزي ممشيش ورا نقطة نقطة يثبت عكسها، كان بيرجع لحاجة واحدة بس: "ابننا وضّب شنطته عشان يهرب قبل ما حد فينا يقوله كلمة." مكنش في حاجة أبوه يقدر يقولها قدام الحقيقة دي غير إنه يحاول يثبت إنها مش مهمة.. وده بالذات اللي أثبت لنا أد إيه هي كانت مهمة! في لحظة، أبو جوزي أصر إنه يعتذر للولد ونعدي الموضوع، بس جوزي رفض يخلي ابننا هو الوسيلة اللي يصالح بيها الكبار: "هو مش مطالب يخليك تحس إنك سامحت نفسك." الكلمة دي كانت قوية جداً بالنسبة لي.. جوزي قعد سنين بيعمل الشغلانة دي بنفسه: أبوه يتعصب، بعدين يندم، وكلنا نجري نخلي ندمه مريح بسرعة! جوزي كان بيعتذر عن إنه اتضايق من حاجات اتعملت فيه لمجرد إن ندم أبوه كان بيتعامل معاه كطوارئ! بس المرة دي، رفض يورث الشغلانة دي لابننا. ولأول مرة، تركيز العيلة فضل على التصرف نفسه بدل ما نجري على الصلح. وأبوه مكنش عاجبه كده، كان عايز خناقة يكسبها أو اعتذار يستقبله، والحدود مفيهاش ده ولا ده. محدش عمل مواجهة درامية أخيرة، مفيش جملة سحرية أصلحت طباع سنين. جوزي لسه بيحب أبوه، والحب ده متمسحش لما المفتاح اتسلم، بالعكس ده خلي القرار أصعب. هو مكنش بيرفض شخص غريب أذاه مرة، هو كان بيغير قواعد علاقة شكلت حياته من وهو طفل. أيام كان بيبقى زعلان، وأيام متضايق، وأيام خايف يكون بالَغ.. وفي الأيام دي مكنتش بفَكّره باللبن أو البيض، كنت بفَكّره بشنطة المدرسة. ومكانش بيجادل فيها أبداً.. ولا أنا. لأن الشنطة هي الحاجة الوحيدة اللي مفيش أمل لتبريرها. مكنتش عفش مكسور ولا علامة ضرب، مكنتش نوع الأدلة اللي الكبار بيستنوها عشان يبرروا قرارهم.. كانت مجرد تجهيز هادي من طفل صغير، وده كان كفاية جداً. في الأسابيع اللي بعد كده، بقينا نركز في التفاصيل الصغيره: ابني بطل يسأل هل جدو جاي كل ما باب عربية يقفل بره، بطل يبص في وشي لما أختلف أنا وجوزي في حاجة عادية. أول مرة جوزي وقع معلقة في المطبخ وأتأفأف بضيق، ابني بص له بسرعة.. جوزي أخد باله، وعلى طول وطى صوته وقال: "أنا متضايق من المعلقة يا بطل، محدش زعلان منك." ابني بص له ثانية وبعدين ضحك. كانت لحظة صغيرة جداً، بس اللحظات الصغيرة هي اللي بنت المشكلة في الأول، وكان منطقي إن اللحظات الصغيرة هي اللي تصلحها. أنا كمان اتغيرت، بطلت أزنق مفاتيح العربية في إيدي لما الأصوات تعلى.. مش عشان أوعد نفسي إني عمري ما همشي، بالعكس! بقيت عارفة إني أقدر أمشي لو احتجت، فمبقتش محتاجة أتدرب على الهروب في سري. وجوزي بطل يحاول يدير مشاعر كل الكبار اللي في الأوضة؛ لما بيبقى مش مرتاح بيقول، ولما حاجة بتتعدى الحدود بيوقفها بدري. ولما أبوه حاول يخليني أنا السبب في الحدود دي، جوزي رفض يسيب الكلام يروح الناحية دي وقال له كل مرة: "ده قراري أنا كمان." قعد سنين ينكمش قدام أبوه، ودلوقتي بيتدرب يفضل على حجمه الطبيعي. ابني مسمعش معظم الكلام ده، وده كان بمزاجنا. هو شال معلومات كتير أوي مكنتش المفروض تبقي في شنطة طفل. اللي كان محتاجه منا مش تاريخ العيلة، كان محتاج صباح عادي ومُمل، فطار من غير ما حد يفحص مزاج التاني، محتاج ينسى المفاتيح فين، ومحتاج يصدق إن الكبير ممكن يضايق من غير ما البيت كله يتقلب فوق وتحت بسبب ضيقته. والحمد لله، الحاجات دي بدأت تبقى هي العادية. في يوم الصبح، لقيتها قاعد على الأرض والشنطة مفتوحة قدامه تاني. لـ نص ثانية عضلات جسمي كلها اتشدت، بس بعدين شفت هو بيحط إيه جوه: كشكول، إزازة المية، والسويت شيرت.. ومفيش حاجة تانية. الكوتشي كان في رجله اصلاً. سألته: "بتعمل إيه يا حبيبي؟" بص لي كأن الإجابة بديهية: "بجهز." نفس الكلمات بتاعت زمان.. بس المرة دي مكنش بيسمع لـ صوت عالي في المطبخ، مكنش باصص على الشارع، ومكنش مستنيني أدوّر على المفاتيح. جوزي عدى من جنبه، ناداه وأداه الساندوتشات اللي كان هيسيبها، وفكره يقفل جيب الشنطة. ابني حط الأكل جوه وقفل السوستة.. الصوت ده كان زمان بيحسسني بالإنذار والهروب، دلوقتي بقى مجرد صوت سوستة بتتُقفل. شال الشنطة على كتفه وراح ناحية العربية عشان معاد المدرسة جه!