حم.ايا

​أبوه بص لتحت للمفتاح بذهول، وبعدين رفع عينه وسأله: “إيه ده مفروض يعني؟”

​جوزي بص ناحية مدخل البيت، حيث ابني كان واقف جنبي وماسك كفي بإيده الاتنين جامد، وقال بصوت حاسم: “إحنا مش هنبات هنا النهاردة.”

​أبوه ضحك ضحكة قصيرة، بس مكنش فيها أي ذرة هزار، وقال بسخرية: “على شوية كورن فلكس؟”

​جوزي مردش في ساعتها، مش المرة دي. بص تاني على المطبخ: علبة اللبن المفتوحة جنب الدولاب، قشر البيض المكسور اللي لازق على الأرض، وعلبة الكورن فلكس المرمية على جنب مطرح ما شنطة السوق وقعت. وبعدين عينه نزلت على شنطة المدرسة بتاعت ابننا وقال بصوت واثق: “الموضوع مش كورن فلكس خالص.”

​أبو جوزي قبض إيده بغضب على المفتاح وقال بعصبية: “يبقي هي كده أخدت اللي كانت عايزاه في الآخر.”

​جوزي هز راسه بالنفي: “هو اللي جهز شنطته ومشى قبل ما أمه تنطق بكلمة واحدة.”

أبوه كان لسه هيتكلم، بس جوزي كمل كلامه: “هو كان عارف يعمل إيه أول ما إنت اتعصبت.. وهي دي المشكلة.”

​ابني قرب مني أكتر ولزق في جنبي. حسيت بيه في ساعتها، وجوزي كمان حس بيه. بطل كلام مع أبوه ولف لنا: “يلا بينا.”

​بس كده. من غير خطب، ولا بيانات درامية، ولا حرج على أبوه إنه يعتذر قبل ما نمشي.

جوزي مسك شنطة ابني بإيد، وفتح باب الشقة بالإيد الثانية. وأنا شلت شنطة إيدي والمفاتيح اللي كنت براجع عليها من غير ما أحس. التفصيلة دي فضلت معلمة معايا.. المفاتيح كانت في إيدي أساساً! من كتر ما اتعودت أستعد لأي انفجار، كان جسمي بياخد قرارات وخطوات قبل ما عقلي يستوعب إيه اللي بيحصل.

​أبو جوزي مشي ورايا لغاية مدخل الشقة: “إنتو ماشيين بجد ومسيبين البيت عشان انفعلت شوية؟”

جوزي لف له وقال: “إحنا ماشيين عشان ابننا شايف إن عصبيتك دي معناه إنه لازم يحضر خطة هروب.”

​أبوه شاور عليا بغل: “وهو اتعلم الحركة دي من مين غيرها؟”

جوزي بص لإيدي والمفاتيح اللي فيها، وبعدين بص لأبوه تاني وقال: “مننا إحنا الاتنين.. وهو بيشوفنا وبنتعامل معاك وإنت متعصب.”

​الكلمة دي نزلت على أبوه زي الصاعقة. كان مستعد يرمي اللوم عليا، بس مكنش يعمل حسابه إن ابنه يحط نفسه معايا في نفس الكفة.

​لسنين طويلة، كان جوزي بيبرر لأبوه تصرفاته بأعذار تبدو منطقية: “أبويا صوته عالي بس”، “أبويا مبيقصدش نص الكلام لما بيتعصب”، “أبويا اتربى بطريقة مختلفة”، “أبويا بيهدى بسرعة”، “أبويا مش هيأذي حد”. كل تبرير كان يخلينا نبلع الموقف اللي بعده. برر الزعيق، وبرر الانتقاد، وبرر ليه أبوه ممكن يحول طلب بسيط أو أكلة مش عاجباه أو اختلاف عادي لمأتم ومحاضرة عن الاحترام تقعد بالساعة! برر كتير لدرجة إننا متعودين إن دي طبيعة الحياة.. بس ابني أخد باله من حاجة تانية خالص: الكوتشي، المفاتيح، الشنطة، والهروب. الأشكال الصغيرة مش محتاجة مصطلحات عشان تفهم الخوف، هي بتعمل روتين حوليه وخلاص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *