حم.ايا

​بصيت بعيد.. أهي نفس الحسبة تاني: “مش إنسان!” كأن عدم وجود ضربة مباشرة بيمسح صوت الشنط وهي بتترزع في الدواليب، أو اللبن اللي غرق الأرض مبيدلش على الخوف، أو إن شنطة المدرسة المتروسة دي ملهاش قيمة!

​جوزي كتب رسالة.. مسحها.. كتب تاني.. ومسحها. في الآخر حط الموبايل وقال: “أنا مش هدخل في مجادلة على حقايق هو عارفها.”

ودي كانت حاجة جديدة برضه. أبوه كان بيعشق الجدال عشان الجدال بيدي له منفذ؛ لو تجادلت معاه هل زعيقه قعد 3 ولا 10 دقائق، النقاش ميبقاش عن الزعيق اصلاً! لو تجادلت هل شطرت الحاجة يخوف ولا لأ، الطفل المرعوب يختفي من المكالمة! ولو دافعت عن أسلوبك أو كلامك، هتشغل نفسك بإنك تثبت إنك ليك حق تترعب، ومحدش هيتناقش في السبب الأساسي.

​جوزي مدخلش المتاهة دي. بعت رسالة واحدة قال له فيها إننا بأمان، وإننا مش هنكمل الكلام ده طالما بيرمي اللوم عليا أو على ابننا، وإن العيشة مع بعض بالشكل ده مش هتنفع تكمل. وبعدين عمل مكتوم (Mute) للموبايل. من غير تهديد، من غير شتيمة، من غير كلمة تجرح.. مجرد حدود أبوه ميعرفش يفاوض فيها بصوته العالي.

​بصيت لجوزي وهو بيحط الموبايل: “إنت كويس؟”

حط إيده على وشه وقال: “لأ.. بس أظن إني كنت بلخبط بين إحساسي إني ‘كويس’ وإحساسي بـ ‘الاعتياذ’ لفترة طويلة.”

​ابني مانامش كويس الليلة دي. صحي مرتين يسأل إحنا راجعين البيت؟ أول مرة قلت له مش راجعين النهاردة. تاني مرة جوزي رد عليه: “مش محتاج تفضل باصص ومستني جدو يا حبيبي، كمل نومك.” والولد نام فعلاً.

​التاني يوم الصبح، لقيت الشنطة جنب الكوتشي بتاعه. صدري اتخنق ثانية أول ما شفتها، بس بعدين لاحظت إن الشنطة مفتوحة، والسويت شيرت طالع نصها بره، وفي ورقة مكرمشة في الجيب القداماني، وإزازة المية واقفة جنبها على الأرض. رجعت شنطة طفل عادية تاني.. مبهدلة، ومش متوضبة بطوارئ، وعادية جداً.

​جوزي لاحظ إني باصة للشنطة وقال: “مش قادر أبطَّل تفكير في الكلمة اللي قالها في المطبخ.”

كنت عارفة الكلمة بالظبط.. ابني كان عايز يجهز نفسه قبل ما الكبار يقرروا إننا تأخرنا! إحنا معملناهوش الكلمة دي مباشرة، بس علمناه المنطق اللي وراها. كل مرة كنت بدور فيها على مفاتيحي وسط الزعيق، علمته إن الهروب مهم. وكل مرة جوزي كان بيهدي أبوه بدل ما يوقفه عند حده، كان بيعلمه إن مزاج جدو هو اللي بيتحكم في البيت كله. وكل مرة كنا بنكمل أكل ونعمل نفسنا طبيعيين، علمناه إن “الطبيعي” هو إننا ننظف القرف ونعدي المواقف!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *