حم.ايا

​في الأسابيع اللي بعد كده، بقينا نركز في التفاصيل الصغيره: ابني بطل يسأل هل جدو جاي كل ما باب عربية يقفل بره، بطل يبص في وشي لما أختلف أنا وجوزي في حاجة عادية. أول مرة جوزي وقع معلقة في المطبخ وأتأفأف بضيق، ابني بص له بسرعة.. جوزي أخد باله، وعلى طول وطى صوته وقال: “أنا متضايق من المعلقة يا بطل، محدش زعلان منك.” ابني بص له ثانية وبعدين ضحك. كانت لحظة صغيرة جداً، بس اللحظات الصغيرة هي اللي بنت المشكلة في الأول، وكان منطقي إن اللحظات الصغيرة هي اللي تصلحها.

​أنا كمان اتغيرت، بطلت أزنق مفاتيح العربية في إيدي لما الأصوات تعلى.. مش عشان أوعد نفسي إني عمري ما همشي، بالعكس! بقيت عارفة إني أقدر أمشي لو احتجت، فمبقتش محتاجة أتدرب على الهروب في سري. وجوزي بطل يحاول يدير مشاعر كل الكبار اللي في الأوضة؛ لما بيبقى مش مرتاح بيقول، ولما حاجة بتتعدى الحدود بيوقفها بدري. ولما أبوه حاول يخليني أنا السبب في الحدود دي، جوزي رفض يسيب الكلام يروح الناحية دي وقال له كل مرة: “ده قراري أنا كمان.” قعد سنين ينكمش قدام أبوه، ودلوقتي بيتدرب يفضل على حجمه الطبيعي.

​ابني مسمعش معظم الكلام ده، وده كان بمزاجنا. هو شال معلومات كتير أوي مكنتش المفروض تبقي في شنطة طفل. اللي كان محتاجه منا مش تاريخ العيلة، كان محتاج صباح عادي ومُمل، فطار من غير ما حد يفحص مزاج التاني، محتاج ينسى المفاتيح فين، ومحتاج يصدق إن الكبير ممكن يضايق من غير ما البيت كله يتقلب فوق وتحت بسبب ضيقته. والحمد لله، الحاجات دي بدأت تبقى هي العادية.

​في يوم الصبح، لقيتها قاعد على الأرض والشنطة مفتوحة قدامه تاني. لـ نص ثانية عضلات جسمي كلها اتشدت، بس بعدين شفت هو بيحط إيه جوه: كشكول، إزازة المية، والسويت شيرت.. ومفيش حاجة تانية. الكوتشي كان في رجله اصلاً.

سألته: “بتعمل إيه يا حبيبي؟”

بص لي كأن الإجابة بديهية: “بجهز.”

نفس الكلمات بتاعت زمان.. بس المرة دي مكنش بيسمع لـ صوت عالي في المطبخ، مكنش باصص على الشارع، ومكنش مستنيني أدوّر على المفاتيح.

​جوزي عدى من جنبه، ناداه وأداه الساندوتشات اللي كان هيسيبها، وفكره يقفل جيب الشنطة. ابني حط الأكل جوه وقفل السوستة.. الصوت ده كان زمان بيحسسني بالإنذار والهروب، دلوقتي بقى مجرد صوت سوستة بتتُقفل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *