فرح اخويا

:
​الجزء الأول: صناعة كبش الفداء
​فيه ريحة معينة بتبقى للدم الفريش لما يسيل على أرضية رخام بتلمع. ريحة بتخلي عقل البني آدم يقف فجأة، وبتصحّي جواه رعب بدائي وخوف حقيقي.
​كنت راكعة في وسط قاعة أفراح زحمة وفخمة جدًا في التجمع، وإيديا كانت بتترعش بطريقة مرعبة وأنا حاضنة بنتي “فريدة” اللي عندها 8 سنين. جسمها الصغير كان بيتنفض في حضني، وشعرها الناعم غرقان في دم غامق صبغ فستانها الأبيض الجميل اللي كانت لابسه عشان هي أخت العريس. وفوق راسي، كان صوت أخويا “أحمد” مالي القاعة وهو بيصرخ بأعلى صوته ويقول إن بنتي اللي بتنزف دي مجرد حرامية صايعة.
​على بعد خطوات، كان أبويا وأمي، “شاكر” و”هدى”، واقفين جنب بعض ببدلهم وفساتينهم الغالية، بيبصوا بنظرات رضا باردة، ومتجاهلين تمامًا لوحة المنيو الخشب التقيلة اللي أخويا لسه ضارب بيها راس بنتي الصغيرة لدرجة إنه عمل لها شرخ في الجمجمة. كانوا فاكرين إنهم أخيرًا كسروني، وإنهم يقدروا يضحّوا بمستقبل بنتي عشان مظهرهم الاجتماعي الكداب قدام ناس هاي كلاس.
​لكن وأنا بَبص للدم الدافي اللي مغرق إيديا، الوجع والكسرة اللي في قلبي اتحولوا في ثانية لكتلة تلج حامامي. وأمي وهي ببتسم بسخرية وتعدل عقد الألماظ الغالي بتاعها، مكانتش تتخيل أبدًا إن سراين عربيات الإسعاف والشرطة اللي بدأت تظهر برا بوابات القاعة هي البداية لنهاية إمبراطوريتهم للأبد.
​عشان تفهموا حجم الكارثة اللي حصلت في القاعة دي، لازم الأول تفهموا الطبقية الخانقة اللي عايشين فيها في جيل عيلتي في مصر الجديدة.
​لحد شهر يونيو 2026، كنت عايشة زي الخيال في حياتي. عندي 32 سنة، شغالة مصممة جرافيك، وبنيت حياة هادية وأمان مع جوزي “رامي”. لكن من قبل ما أكون زوجة وأم، كنت أنا الضحية اللي بتمتص كل صدمات عيلة مهووسة بالمظاهر والكاميرات والـ “إيجو”. لما تكبر في وسط عائلات مصر الجديدة القديمة، بتتعلم بسرعة إن المظهر واللقب هو كل شيء. بالنسبة لأهلي، الصعود الاجتماعي كان زي حرب شوارع، وأنا كنت مجرد ضحية جانية.
​كنت البنت المطيعة اللي ملهاش صوت. كنت بجيب تقديرات امتياز في فنون تطبيقية، وبشتغل بالليل في مكتبة ومطبعة محلية، وبتحمل إهاناتهم المستمرة من غير ولا شكوى. كنت عايشة في وهم إن لو بقيت مثالية، هيحبوني زي ما بيحبوا أخويا الصغير “أحمد”.
​أحمد كان الولد المدلل، من يوم ما اتولد وأبويا وأمي بيعبدوه. هو الوريث، الولد اللي مبيغلطش. كل مصيبة يعملها يداروا عليها، وكل طلبات مجابة. وفوق كل ده، الفاتورة المادية والنفسية كانت بتترمي عليا أنا.
​الاستغلال الحقيقي ظهر لما تميت 18 سنة. جالي منحة في جامعة تصميم برة مصر، وكنت طايرة من الفرحة. لكن قبل السفر بأسبوعين، أبويا وأمي قعدوا معايا على الترابيزة، وأمي من غير ما تبص في عيني قالتلي ببرود: “يا هناء، لازم نكون واقعيين. أخوكي أحمد نفسه يدخل أكاديمية طيران خاصة والمصاريف غالية جدًا بالدولار، مش هنقدر ندفع للاثنين. إنتي بنت، وممكن تدخلي معهد هنا في البلد أو كلي حكومة. لازم تتنازلي، أخوكي مستقبله أهم.”
​عيطت لحد ما دموعي نشفت، لكن استسلمت. اتنازلت عن حلمي، وبقيت أدرس هنا، وأشوفهم وهما بيدفعوا لأحمد سكن فاخر وفسح في أوروبا. والموضوع موصلش للتعليم وبس، لما بدأت اشتغل وبقى عندي كارير، حوّلوني لـ “إي تي إم” لأحمد. كل ما عربية من عربياته تِتحجز عليها أو يفشل في مشروع ويترفع عليه قضية، أبويا كان يبتزني عاطفيًا ويقولي: “ده أخوكي من دمك، والبيت الكبير لازم يقف جنب بعضه.”
​على مدار 5 سنين، خدوا مني أكتر من مليون جنيه من تحويشة عمري، وعمرهم ما رجعوا جنيه واحد.
​جوزي رامي كان قاري الفساد ده من أول يوم اتقابلنا فيه. كان يمسك إيدي بعد كل عشا نكد مع عيلتي ويقولي: “يا هناء، إنتي بتدلقي بحور حب لناس مش هيدوكي نقطة مية لو كنتي بتولعي.” لكن أنا كنت متمسكة بوهم العيلة. ولما خلفت بنتي “فريدة”، كنت بتمَنى يكون ليها جد وجدة يحبوها.
​كنت عميا ومش شايفة إن ورا المظاهر واللبس الشيك، عيلتي كانت وكر تعابين. ولما أحمد أعلن خطوبته على “ملك” (بنت رجل أعمال معروف وعيلتها من سكان جاردن سيتي الأغنياء جدًا)، مكانش عندي فكرة إني باخد بنتي وبمشي بيها لـ فخ.
​الجزء الثاني: مسرحية المظاهر
​الفرح في فندق 5 نجوم كبير في التجمع كان خانق ومستفز لكل الحواس.
​أهلي صفّوا كل اللي وراهم واللي قدامهم، وأخدوا قروض بضمان الأراضي عشان يمولوا فرح بـ 4 مليون جنيه لمجرد إنهم يبهروا عيلة ملك الغنية. آلاف من الورد الأبيض نازل من السقف، مطرب مهرجانات وتامر حسني كانوا شغالين، و200 ضيف من المجتمع الهاي كلاس بيشربوا أغلى أنواع المشروبات.
​رامي رجاني مانروحش. وهو بيظبط البدلة في المراية قالي: “بصي على جدول الكراسي يا هناء، حاطينا في ترابيزة ورا خالص، لازقين في باب المطبخ بتاع الويترز! حتى اسمك مش كاتبينه في دفتر المدعوين مع العيلة القريبة.”
​لكن أنا بصيت لـ فريدة، كانت بتلف بفستانها الأبيض وفرحانة جدًا إنها هتبقى في فرح خالها. بلعت كرامتي، ورسمت ابتسامة على وشي، وقلت لرامي لازم نروح عشان خاطر البنت. كنت فاكرة إن لو فضلت في حالي، الليلية هتعدي على خير.
​لكن كنت غلطانة غلطة عمري.
​بعد ساعة من الفرح، تليفون رامي رن، كانت مكالمة شغل مصيرية بخصوص صفقة ومناقصة استيراد كبيرة شركته بتجري وراها من 6 شهور. بصلي وهو متأسف جدًا.
​ابتسمت وطبطبت على إيده وقلتله: “روح يا حبيبي، الصوت هنا عالي أصلاً ومش هتعرف تتكلم. اطلع اللوبي برا، وأنا وفريدة هنكون كويسين.”
​باس راسي وخرج من الأبواب الجانبية للقاعة.
​بعد 10 دقائق بالظبط من خروجه، الجو في القاعة اتقلب تمامًا.
​المزيكا وقفت فجأة في نص الأغنية. وصوت الضحك والهزار اختفى، وحل مكانه توتر غريب يوقف شعر الإيد. بصيت ناحية الكوشة، لقيت أحمد واقف وشه مقلوب وعامل سيناريو رعب وتمثيلية واضحة.
​صرخ أحمد في المايك: “التليفون ضاع!”
​جنبه، ملك شهقت شهقة درامية وحطت إيدها على غواشتها الألماظ كأنها شافت جريمة قتل.
​أحمد أخد المايك وصاح في القاعة كلها: “اسمعوني يا جماعة! تليفوني الآيفون 17 برو ماكس الجديد اتسرق! كان محطوط هنا جنب الكأس بتاعي. الجهاز ده عليه حسابات البنوك، والمحفظة الرقمية بتاعة الفرح ومستحقات الناس، وداتا شركات سرية جدًا. اللي خده يطلعه فورًا.”
​بدأ الهمس والخوف ينتشر بين الضيوف، والناس بدأت تدور تحت الكراسي وفي جيوبها. بطني وجعتني وحسيت بقلق، لكن قلت يمكن واحد من صحابه سكران وضيع التليفون. ميلت على فريدة وبدأت أمسح حتة أيس كريم من على وشها بمنديل.
​وفجأة، سمعت صوت جزمة غالية بتقف ورا كرسيي بالظبط.
​لفيت ورايا.
​كان أحمد واقف فوق راسي، وتمثيلية الخوف اختفت تمامًا، وبقى على وشه ابتسامة خبيثة ومرعبة. وجنبه أبويا وأمي، وملك وأهلها الغنيين واقفين زي الحرس الملكي.
​سألته وصوتي بيرتعش: “أحمد؟ فيه إيه؟”
​أحمد زعق بأعلى صوته عشان كل الترابيزات اللي جنبنا تسمع وتسكت: “اللي فيه إيه، إن بنتك الحرامية دي كانت بتلف حوالين ترابيزة الكوشة قبل ما التليفون يختفي بالظبط!”
​القاعة كلها كتمت نفسها، والاتهام نزل زي عود كبريت في أوضة مليانة بنزين.
​الجزء الثالث: ضربة الغدر
​من كتر صدمتي بالاتهام المتخلف ده، عقلي وقف لثانية.
​وقفت بسرعة وحطيت جسمي قدام فريدة عشان أحميها وقلتله: “أنت بتقول إيه؟ فريدة قاعدة على الترابيزة دي بتاكل أيس كريم بقالها ساعة إلا ربع ومتحركتش من جنبي!”
​أمي “هدى” طلعت من ورا أحمد وقالت وعينيها مليانة غل: “ماتدافعيش عنها يا هناء، كلنا عارفين إنتي مربياها على إيه. أحمد شافها وهي بتتسحب جنب ترابيزة النوت بوك والهدايا. ابن الوز عوام.”
​فريدة بدأت تعيط ومسكت في فستاني وهي بتبصلي بعينيها البريئة: “والله ما أخدت حاجة يا مامي! والله!”
​وقبل ما أستوعب الحرب النفسية دي، أحمد هجم فجأة.
​مستناش إذن ولا أمن ولا أي حاجة، شد جاكيت الجينز الصغير بتاع فريدة اللي كان محطوط على ظهر الكرسي، وحط إيده في الجيب اليمين بقوة، وطلع إيده وهو بيصرخ صرخة انتصار.
​وكان ماسك في إيده جهاز آيفون 17 برو ماكس تيتانيوم!
​كل الناس في القاعة شهقت بصدمة.
​أم ملك بدأت تهوي على نفسها بالبرنامج وبتقول بقرف: “يا للمهزلة! مربيين حرامية في العيلة! إحنا نناسب ناس كدا؟”
​وملك شاورت بصابعها على بنتي اللي بترتعش: “بنتك البيئة دي كانت هتخرب فرحي يا هناء! بصي لها، دي مجرمة صغيرة!”
​أنا كنت ببص للتليفون بذهول تام. مش ممكن علميًا ولا منطقيًا! جيوب جاكيت فريدة أصغر من إنها تاخد تليفون بالحجم ده، وهي أصلاً متعرفش يعني إيه تفتح تليفون ببصمة الوش ولا تعرف حسابات بنوك.
​بصيت في وش أحمد.
​لمحت في جزء من الثانية ضحكة خبيثة ومستهزئة في عينه. كان مستمتع باللي بيعمله.
​هنا الحقيقة المرعبة ضربت في دماغي زي الطلقة. فريدة مسرقتش حاجة. أحمد هو اللي حط التليفون في جيب بنتي الـ 8 سنين بكل خبث وتخطيط عشان يفضحني قدام عيلة مراته الجديدة ويطلع هو الضحية البطل.
​صرخت فيه والغل غطى على عقلي: “أنت اللي حطيته! أنت اللي حطيت التليفون في جيبها يا مريض يا جبان!”
​الاتهام ده خلى أحمد يفقد أعصابه تمامًا، والتمثيلية اتقلبت لجنون وغضب نرجسي مرعب. بص لأهل ملك وحس إنه لازم يزود الجرعة عشان يثبت إنه بيحمي شرفهم وفلوسهم.
​زعق ووشه أحمر دموي: “بنتك الحرامية كانت هتفلسني في يوم فرحي!”
​وجنب ترابيزتنا بالظبط، عند باب المطبخ، كان فيه لوحة المنيو بتاعة الفرح؛ لوحة خشب زان تقيلة جدًا ومتبروزة بحديد ومحطوطة على حامل خشبي عشان تعرض بوفيه الأكل.
​وفي حركة سريعة ومجنونة، أحمد رجع لورا ومسك البرواز الحديد بتاع اللوحة التقيلة دي، ورفعها في الهواء وعروق رقبته بتطق، وضرب بيها بكل قوته.
​مكانش بيضربني أنا.
​نزل باللوحة الخشب التقيلة مباشرة على راس بنتي اللي عندها 8 سنين.
​الخشب خبط في دماغ فريدة بصوت كتم النفس في القاعة كلها كأنه صوت رصاصة. فريدة ملحقتش حتى تصرخ، من قوة الضربة جسمها الصغير اترفع من على الأرض واترمت بعنف على أرضية الرخام الباردة.
​”فريدة!!!”
​الصرخة اللي طلعت من حلقي مكانتش صرخة بشرية، كانت صرخة أم بتشوف بنتها بتموت قدام عينيها. نزلت على الأرض وركبي اتخبطت في الرخام وشيلت جسمها الميت في حضني.
​كانت بتتنفس بصعوبة وجسمها بيترعش، وعينيها بدأت تقلب لفوق، وكمية دم مرعبة بدأت تنزل من راسها وتغرق فستانها الأبيض وإيديا. كانت بتفقد الوعي في حضني وصوابعها الصغيرة بتمسك في إيدي بضعف.
​بصيت لفوق وسط دموعي لعيلة المجتمع الراقية الواقفة حوالينا، وبصيت في عين أبويا وأمي.
​صرخت وأنا بنهج والدم مغرقني: “الحقوني! اطلبوا الإسعاف! موتها! أرجوكم اطلبوا المساعدة!”
​لكن لما بصيت في وش أمي عشان ألمح أي شفقة أو رعب أمومة، ملقتش غير فراغ مرعب. والكلمة اللي قالتها بعد كده قطعت عرق الدم اللي بيني وبينهم للأبد.
​الجزء الرابع: التلج اللي في عروقي
​هدى متهزتش. مبصتش حتى للدم اللي مغرق الرخام. قربت من أحمد وطبطبت على كم بدلته وبصتلي بمنتهى القرف والبرود وقالت:
​”أحمد معاه كل الحق إنه يغضب يا هناء. إنتي اللي جبتي حرامية في مكان محترم وزي ده. إنتي اللي جبتي العار للعيلة دي قدام الناس، وهو كان بيدافع عن حاجته. إنتي اللي عملتي في بنتك كده.”
​أبويا شاكر هز راسه بالموافقة وهو مربع إيده: “خدي بنتك واخرجي من الباب الوراني بتاع الويترز يا هناء، كفاية إنك بوظتي ليلة أخوكي. أحمد عمل اللي أي راجل يعمله.”
​أهل ملك بدأوا يهمسوا ويقولوا إن الأمن لازم يرمي “الناس دي” برا عشان يكملوا تقطيع التورتة.
​في اللحظة دي بالظبط، والدم السخّن بتاع بنتي البريئة بيشرب فستاني، فيه حاجة جوايا اتكسرت واتبدلت تمامًا.
​البنت الطيبة والمطيعة اللي عاشت 32 سنة بتزحف على الإزاز عشان تطلب رضاهم ماتت في ثانية على أرض الرخام دي. الخوف والرعب اختفوا، ودموعي نشفت، وعقلي جاله ثبات غريب ومرعب، وروحي اتحولت لكتلة تلج.
​بصيت لوش أخويا الأناني، وبصيت لنظرات أهلي الباردة، وعرفت إن طيبتي مع الأشكال دي كانت خطيئة. مش هعيط تاني، أنا ههدم المعبد ده على دماغ كل اللي واقفين في الدايرة دي.
​وفجأة، أبواب القاعة الكبيرة اتفتحت بعنف.
​دخل رامي بيجري. كان لسه قاقل المكالمة، لكن أول ما عينه جت عليا وأنا راكعة في بركة دم وبنتنا في حضني، وشه بقى أبيض زي الورق.
​مسألش إيه اللي حصل، ومبصش لأهلي؛ رمى نفسه على الرخام وإيده بتترعش وهو بيقيس نبض فريدة. ولما بص لأحمد، عينه كانت بتطلع شرار ونار حرفيًا.
​وفي الوقت اللي رامي طلع فيه تليفونه وكلم الإسعاف والشرطة وهو بيصرخ فيهم، أنا وقفت.
​مسحت دم فريدة في فستاني بكل برود، ووقفت بطولي، وفردت ضهري، وأخدت السيطرة الكاملة على المكان.
​في خلال دقائق، دخل اتنين من مسعفي الطوارئ بنقالة الإسعاف وسط ذهول وصمت الضيوف.
​أحمد لما حس إن المظهر العام هيبوظ والناس بتصور بموبايلاتها، وقف قدام المسعفين وهو بيظبط بدلته وبيتكلم بابتسامة كدابة: “يا دكاترة مفيش حاجة، ده خلاف عائلي بسيط، البنت بس اتكعبلت وخبطت راسها في الترابيزة، مش محتاجين شوشرة.”
​مشيت خطوتين وزقيت أخويا بكتفي جامد في صدره عشان أبعده من طريق المسعفين، ومسكت إيد المسعف الكبير.
​وقلت بصوت عالي، جامد، وبارد لدرجة ترعب هزت القاعة: “أخويا ضرب بنتي اللي عندها 8 سنين في نفوخها بلوحة منيو خشب زان تقيلة جدًا. أنا عايزة كل خدش، كل كدمة، وكل نقطة دم تتوثق في تقرير الطوارئ الرسمي حالاً. البنت بتنزف جامد من فروة الراس وعندها صدمة عصبية، ومحتاجين نقل فوري لمستشفى طوارئ، وعايزة الإجراء القانوني يبدأ من الثانية دي.”
​المسعفين بصوا لبركة الدم، وبصوا لوش أحمد اللي بقى أصفر، واشتغلوا فورًا. ثبتوا رقبة فريدة ونقلوها وهي بتعيط بضعف على النقالة، ورامي ركب معاهم في عربية الإسعاف وهو ماسك إيدها جامد لـ مستشفى الدمرداش أو عين شمس التخصصي.
​أنا بقى فضلت مكاني، لأن حفلة الإعدام كانت لسه هتبدأ.
​أول ما عربية الإسعاف مشيت وسراينها بتملا المكان، دخلت قوة من قسم الشرطة للقاعة.
​أبويا شاكر اتدخل فورًا وبدأ يتكلم بأسلوبه الـ “بشواتي”: “يا فندم، مساء الخير، أنا شاكر بيه. ده فرح ابني، وحصل سوء تفاهم بسيط بخصوص تليفون ضاع، مجرد مشكلة عائلية تافهة وكل شيء تحت السيطرة.”
​مشيت ووقفت قدام الظابط بالظبط وحجبت أبويا عنه تمامًا.
​وقلت للظابط وأنا بَبص مباشرة في الكاميرا اللي متعلقة على صدره: “أنا أم الضحية. أخويا أحمد لسه حالا مرتكب جناية اعتداء على طفلة واعتداء بسلاح فتاك. أنا هرفع أقصى عقوبة ومتمسكة بمحضر رسمي وتحقيق جنائي فورًا.”
​أحمد ضحك ضحكة عصبية وشاور على جاكيت فريدة المرمي: “هي اللي سرقت تليفوني! أنا لقيته في جيبها! وعندي شهود!”
​أمي وأهل ملك بدأوا يتدخلوا وكلهم بيكدبوا ويحلفوا بـ شرف العيلة إن فريدة حرامية ومعروفة بكده.
​مجادلتش ولا عليت صوتي، لفيت للظابط ولمدير الأوتيل اللي كان واقف بيعرق من الخوف من المحاضر وقضايا الإهمال:
​”المكان هنا متغطي بكاميرات HD بتصور كل شبر في القاعة عشان تأمين المسؤولية القانونية.” وشاورت بصابعي اللي عليه دم للكاميرا اللي فوق ترابيزتنا بالظبط: “يا فندم، هتاخدنا دلوقتي حالا لأوضة المراقبة. ويا سيادة الظابط، أنا عايزاك تشوف تسجيل الـ 30 دقيقة الأخيرة. والأهم من ده، أنا عايزة التسجيل ده يتعرض مباشرة على الشاشة الكبيرة اللي على المسرح هنا؛ عشان كل ضيف في القاعة دي يشوف الحقيقة ويشوف الوحش اللي هما جايين يحتفلوا بيه النهاردة.”
​المدير، من رعب المحاكم والتعويضات وسحب النجوم من الفندق، متحركش ثانية. وإحنا ماشيين لأوضة الأمن، شفت الدم وهو بيهرب من وش أحمد تمامًا.
​الجزء الخامس: فضيحة الوحش
​أصابع مدير الأوتيل كانت بتتحرك بسرعة على الكيبورد، والظباط واقفين وراه بيراقبوا. جاب الكاميرا رقم 4 وبناءً على طلبي، عرض الفيديو مباشرة على شاشات العرض الكبيرة بتاعة القاعة اللي كانت من شوية بتعرض صور العرسان الرومانسية وجلسة التصوير (السيشن).
​200 ضيف من صفوة المجتمع في القاهرة بقوا بيبصوا للشاشة بصمت قاتل.
​الفيديو كان واضح وبأعلى جودة؛ ظهر أحمد وهو بيروح لترابيزتنا الفاضية وأنا مدية ضهري للمكان، ومد إيده في جيبه الداخلي، وطلع الآيفون 17 برو ماكس، وبص حواليه يمين وشمال يتأكد إن محدش شايفه، وبسرعة خبيثة سقط التليفون في جيب جاكيت فريدة الصغير.
​السكوت اللي حل بعد اللقطة دي كان أتقل من جبال.
​وفجأة، القاعة انفجرت.
​ملك، العروسة بفستانها الأبيض، لفت وبصت لأحمد بصدمة وذهول ملهومش آخر. وقبل ما يفتح بقه عشان يخترع كدبة جديدة، قدمت خطوة وضربته بقلم على وشه سمع في سقف القاعة كله زي الكرباج.
​صرخت فيه والمسكرة ساحت على وشها وبوظت مكياجها الغالي: “أنت بني آدم مريض وسيكوباتي! تلبس تهمة لطفلة عندها 8 سنين؟ تكسر دماغ طفلة عشان تعمل فيها راجل قدام أبويا؟ أنت وحش!”
​قلعت شبكتها الألماظ الكبيرة ورمتها في صدره، ولفت لأهلها ولمت فستانها وخرجت برا القاعة وكل عيلتها وراها.
​في ظرف دقيقتين، ملك وعيلتها وكل معارفهم أخلوا المكان، ولغوا الجوازة والظاهر والفرح اللي اتكلف ملايين بقى عبارة عن خرابة بتولع.
​ظباط الشرطة مَضيعوش ثانية؛ مسكوا إيد أحمد ولفوها ورا ضهره بقوة.
​صوت الكلبشات الحديد وهي بتقفل على كم بدلة الفرح الغالية بتاعته كان، بدون مبالغة، أكتر صوت مريح وممتع سمعته في الـ 32 سنة بتوع حياتي.
​الظابط قرأ له حقوقه، وقبضوا عليه بتهمة جناية الاعتداء على طفلة، والاعتداء العمد، وبلاغ كاذب.
​لما أبويا شاكر وأمي هدى استوعبوا إن ابنهم المدلل رايح التخشيبة والبوكس مستنيه برا، كل برستيجهم ومظهرهم انهار وبقوا في حالة ذل ورخص لا توصف. أمي رمت نفسها على الأرض ومسكت في فستاني اللي عليه دم وهي بتعيط بهيستريا:
​”هناء، أرجوكي! قولي لهم إنها كانت غلطة أو حادثة! مستقبله هيضيع! هيتحبس! فكري في اسم العيلة وصورتنا قدام الناس!”
​أبويا كان واقف زي الصنم، وكل كبريائه اتهد والناس بتبص له بقرف واشمئزاز حقيقي.
​بصيت للست اللي ولدتني، وشدّيت فستاني من إيدها بعنف كأن لمستها وباء. بصيت في عينها بكل الوجع اللي عيشتهوني طول عمري وقلت لها بصوت واطي وبارد زي الموس:
​”أنتي قلتي لي إنه عمل اللي أي راجل يعمله.. خلاص، يروح بقى يعمله في السجن ورينا رجولته هناك.”
​الشرطة حذرت أهلي إن لو حاولوا يتدخلوا أو يكدبوا في التحقيق هيتحبسوا بتهمة التستر والمشاركة في جريمة عنف ضد طفل.
​وديت ضهري لهم وخرجت من الأبواب الكبيرة. أحمد خرج من فرحه مكلبش بالحديد وراكب عربية البوكس، وبيواجه سنين سجن وجناية هتعلم عليه طول عمره. لكن النصر الحقيقي مكانش حبسه هو بس؛ النصر كان الانهيار التام لإمبراطورية المظاهر الكدابة بتاعة أبويا وأمي في وسط عائلات مصر الجديدة.
​الجزء السادس: الاستئصال
​النهاردة، الجرح اللي في راس فريدة خف تمامًا، ومفاضلش غير علامة صغيرة مستخبية تحت شعرها. والأهم من كده، إن روحها ماتكسرتش؛ رجعت تاني البنت الشقية اللي بتضحك ومنورة حياتنا، وبتلعب وتنقز في النادي وبتحوش مصروفها.
​أنا ورامي عملنا استئصال كامل وتام للعيلة السامة دي من حياتنا.
​قطعناهم تمامًا؛ عملنا بلوك لأرقامهم، وتجاهلنا كل وسايط ومحامين أبويا، وطلعنا محضر عدم تعرض قانوني يمنعهم يقربوا من بيتنا أو مدرسة فريدة. الفضيحة في وسطهم كانت كاملة؛ شاكر وهدى بقوا مطرودين ومنبوذين من كل اللمات والحفلات، واسمهم بقى مرتبط بـ تعذيب الأطفال والافتراء.
​إحنا دلوقتي عايشين في سلام تام وأمان في بيتنا، أخيرًا اتخلصنا من الضلمة والخنقة اللي كانت فرضاها عليا عيلتي.
​لما ببص لورا على كابوس الفرح ده، بعرف حقيقة واحدة: ساعات، إنك تقطع ناس من دمك ولحمك مبيكونش قرار نابع من غضب؛ بيكون قرار عشان تعيش وتنجو بحياتك وحياة أولادك. أنا عشت 32 سنة بهلك روحي عشان أشتري حب ناس كانوا مستعدين يضحّوا ببنتي البريئة ويقتلوها عشان يحموا كبريائهم المريض.
​لكن الكارما بتخلص حقها بالملي وبطريقة مرعبة. وأنا بشوف أحمد وهو بيترمى في عربية البوكس ببدلة الفرح، اتعلمت إن العدالة لازم هتوصل للأشرار في النهاية.
​أنا اخترت بنتي.. واخترت راحتي ونفسيتي.. ولو الزمن رجع بيا تاني، هسيب إمبراطوريتهم تولع وتتحرق من جديد ومن غير أي ندم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *