مرتبك مع امك

حصري لصفحة روايات رولا
​— «مرتبك مع أمك، خليها بقى تأكلك»، قلتله الجملة دي، وتاني يوم الصبح كنت في المحكمة برفع قض\ية طلاق.
​— «يا أميرة، إحنا هناكل إيه في الليلة دي؟ عصافير؟»
​السؤال طالع من المطبخ المضلم. أميرة قلعت جزمتها في الصالة، ورجلها الشمال كانت بتنقح عليها بعد الشيفت الطويل، بينما إيدها وجعتها من أكرة الشنطة البلاستيك المليانة.
​— «هو أنت فتحت التلاجة أصلاً؟» — سألته.
​— «فتحتها.. فيها لمبة بتنور ونص برطمان مسطردة!»
​خرج شريف من الصالة ووقف في الطرقة، كان لابس بنطلون ترنج مبهوق ومطاطط من عند الركبة، وماسك الموبايل في إيده وجواها لعبة شغال لعب فيها.
​— «أنا بفضل شغالة لحد الساعة تمانية يا شريف!»
​— «وأنا كمان بشتغل!»
​حطت أميرة الشنطة على الجزامة وفكت العقدة. كان جواها حتة جبنة رومي، وكرتونة بيض، وعلبة جبنة قريش. مفيش لحمة، ولا حتى كيس مكرونة جهينة ولا فراخ.
​— «فين الأكل بجد؟» — جوزها قرف وشك وشُه.
​— «في السوبر ماركت.»
​دخلت الحمام وفتحت الحنفية عشان تغسل وشها، ومشي شريف وراها ببطء وخفة.
​— «أنا مش فاهم النكتة.. هي مش أنتِ مراتي ولا إيه؟»
​— «أنا مراتك، وأنت جوزي.»
​— «طب يبقى تأكلي جوزك!»
​نشفت أميرة إيدها بالفوتة وبصتله في المراية:
​— «مبارح كان يوم عشيرة في الشهر.. يعني القبض نزل.»
​شريف بص ناحية تانية ومردش بصورة مباشرة:
​— «وبعدين؟»
​— «فين الـ ٨٥ ألف جنيه بتوعك؟»
​سكتوا هما الاتنين، والهدوء نزل تقيل في المكان، ومكنش مسموع غير نقط المية بتنزل من الحنفية بتكتك.
​— «حولتهم لـ أمي..» — شريف اتكلم بصوت واطي. — «عايزة تقفل البلكونة عندها بالـ ألوميتال.»
​أترمت أميرة بظهرها على الحيطة وراها:
​— «الـ ٨٥ ألف جنيه كلهم؟!»
​— «الصنايعية طالبين عربون ومصاريف خامات.»
​هزت راسها ببطء، وخرجت من الحمام ودخلت المطبخ:
​— «يبقى تروح تتغذى على البلكونة.. عند طنط عفاف.»
​وش شريف أحمر وزاط، ورمى الموبايل على الترابيزة بضيق:
​— «يا أميرة، أنتِ بتتكلمي بجد؟ بتعملي مشكلة وعركة عشان حتة سوسيس ولا نص كيلو بانيه؟»
​— «أنا مش بعمل مشكلة.. أنا بقول الحقيقة.»
​طلعت أميرة البيض من الشنطة، وولعت البوتجاز، وحطت الطاسة على النار.
​— «مرتبي أنا بيروح في قسط الشقة.. وفي الفواتير والنور والمية.»
​— «إحنا بيت واحد وعيلة واحدة!» — شريف علي صوته.
​— «العيلة بتشارك في الأكل والمصاريف.. أنت شاركت في بلكونة أمك.»
​شريف كتم إيديه في بعض وعمل فاصل:
​— «معاشها ضعيف ومبتكفيش، وأنا ابنها الوحيد!»
​— «جميل جداً.. وأنا برضه البنت الوحيدة لأهلي.»
​قشرت تلات بيضات وحطتهم في الطاسة، والزيت بدأ يطشطش.
​— «أنا مش هدفع مصاريف تقفيل بلكونتهم.. إحنا بنحوش عشان نوضب حمام الشقة.»
​— «الحمام يستنى شويه! أمي البلكونة عندها بتدخل هواء وتعباها.»
​— «يبقى خلي أمك تأكلك وتصرف عليك.»
​غرفت أميرة البيض المقلي في طبق، وقعدت على السفيرة ومرسكة الشوكة. شريف كان واقف يبص عليها بذهول.
​— «أنتِ بجد هتقعدي تأكلي لوحدك كده؟»
​— «أه.»
​— «أنتِ مفيش في قلبك رحمة ولا حاجة مقدسة يا أميرة!»
​لف ظهره ودخل أوضة النوم، وضرب الباب وراه برزعة جامدة. أميرة كملت أكلاها في هدوء وغسلت طبقها. مكنتش زعلانة ولا متعصبة خلاص.. كان فيه بس شعور بـ تقل وتعب رهيب جواها.
​الصبح بدأ بسكوت تام. شريف كان بيتحرك ويتجهز للشغل من غير ما ينطق كلمة، يرزع المفاتيح، ويقفل أبواب الدولاب بعنف. أميرة كانت بتشرب قهوتها في هدوء. كوباية جوزها الوسخة كانت مرمية في الحوض، ورسومات العيش مالية الترابيزة.. كان أكل نص رغيف عيش حاف.
​— «أنا معدي على أمي بالليل،» — قالها وهو واقف عند الباب. — «عشان آكل لقمة عدلة لمرة واحدة.»
​— «سلملي على طنط عفاف.»
​رزع الباب وخرج.
​أميرة كملت قهوتها ونزلت راحت شغلها.
​القصة كانت في أواخر شهر يناير، بداية سنة 2026. كان فاضل تسع سنين في قسط الشقة اللي في التجمع، والقسط الشهر كان ٤٣ ألف جنيه. أميرة هي اللي بتدفعه كل شهر. الشقة مكتوبة باسمهم هما الاتنين عشان اتشرت بعد الجواز، بس في الحقيقة هي الوحيدة اللي بتدفع قرش فيها.
​بالليل أميرة رجعت متأخر. جزمة شريف كانت في الصالة، ونور المطبخ شغال. ريحة بصل مقلي وسوسيس رخيص مالية الشقة.
​طنط عفاف كانت قاعدة على الترابيزة.
​— «مساء الخير يا أميرة،» — حماتها قالتها بصوت ناعم زي العسل، بس عينيها كانت كلام تاني خالص.
​— «مساء النور.. خير، إيه السر في الزيارة دي؟»
​— «جيت أطمن على ابني، لقيت الواد بيموت من الجوع.»
​حماتها شاورت على البوتجاز، كان فيه حلة كبيرة محطوطة، ومكرونة معجنة طالعة من تحت الغطا، وجنبها أكياس سوسيس فارغة.
​— «كتر خيرك إنك مهتمة بيه.»
​أميرة قلعت الجاكت، وراحت على الحوض وغسلت إيدها.
​— «شريف قالي إنك ممتنعة تطبخيله ولا تأكليه.»
​— «هو شريف حكالِك الحقيقة كاملة؟»
​طنط عفاف ضمّت شفايفها بضيق:
​— «الحقيقة إن الست ملزمة تطبخ لجوزها وتهتم بيه.»
​— «والراجل ملزم يجيب مصاريف البيت ويدفع اللي عليه.»
​— «الواد بيساعد أمه!» — صوت حماتها بدأ يعلى ويترعش. — «البلكونة عندي كانت تقع وتدمر الدنيا!»
​أميرة مسكت الفوتة تنشف إيدها:
​— «هي بلكونتك تتكلف ٨٥ ألف جنيه؟»
​— «الصنايعية غاليين اليومين دول، ومصاريف الألوميتال وشغله مولعة!»
​— «ربنا يهنيكي، هتتمتعي ببلكونة دافية ومتقفلة.»
​فتحت أميرة التلاجة وطلعت حتة الجبنة بتاعتها.
​— «وأنا إيه علاقتي بالموضوع ده كله؟»
​طنط عفاف وقفت على حيلها، ونور اللمبة الأصفر كان مبين تجاعيد وشها بوضوح:
​— «أنتِ بقالك تلات سنين فرد من عيلتنا، المفروض تحترمي أم جوزك شوية!»
​— «أنا بحترمك.. بس وأنتِ في بيتك بعيد عني.»
​— «أنا جايباله أكل يكفيه تلات أيام.. مكرونة وتونة وعلب سمنة!»
​— «جميل أوي، بس متنسيش تغسلي الحلة دي قبل ما تمشي.. وتغسلي البوتجاز كمان.»
​حماتها اتصدمت وشحبت:
​— «أنا بتكلم معاكي بالذوق والأصول يا أميرة!»
​— «مش محتاجة تتكلمي معايا بأي طريقة خالص.»
​أميرة عملت لنفسها ساندوتش وجابت كوباية شاي.
​— «لو ابنك شايف إنه طبيعي يديكي مرتبه كله، يبقى يروح يعيش معاكي هناك.»
​— «الشقة دي مدفوع فيها بالنص!» — حماتها صرخت بصلابة.
​— «أنا اللي بدفع القسط من الكارت بتاعي كل شهر!»
​— «هو عمل النقاشات والتوضيبات اللي هنا!»
​أميرة ضحكت بسخرية:
​— «ده لزق وشين ورق حائط في الطرقة.. مشاركة جبارة الصراحة!»
​صوت خطوات ظهرت في الطرقة، وشريف دخل المطبخ وبص لأمه وبعدين لـ أميرة.
​— «في إيه؟ بتتخانقوا ليه؟»
​— «مفيش يا شريف يا حبيبي،» — طنط عفاف قالتها وهي جازة على سنانها. — «أنا ماشية.. كُل المكرونة بتاعتك، بدل ما الهانم دي تجيب أجلك.»
​مشت بكبرياء وعدت من جنب أميرة، وخبطت في كتفها وهي ماشية. باب الشقة اتقفل برزعة شديدة.
​شريف قعد على الترابيزة وشَد الحلة ناحيته، وغرف شوية مكرونة في طبقه.
​— «مبسوطة كدة؟ نكدتي على أمي وبوظتي مزاجها!»
​— «أمك مزاجها زي الفل، بقى عندها بلكونة جديدة وعلى حسابي كمان.»
​— «دي فلوسي أنا!» — شريف ضرب بقبضة إيده على الترابيزة جامد.
​الشوكة اتهزت ورنت في الطبق.
​— «مفيش قرش بتاعك هنا.. كل حاجة في البيت ده اتجابت بفلوسي أنا.»
​— «أنتِ بني آدمة مادية يا أميرة، مبيفرقش معاكي غير الفلوس!»
​— «أنا محتاجة راجل يشيل معايا.. مش عالة يعيش عليا.»
​خلصت أميرة الشاي، وقامت دخلت أوضة النوم، وفتحت مسلسلاً على اللاب توب بتاعها.
​عاشوا بعد اليوم ده زي الغرباء في بيت واحد. جمل قصيرة، وتعب، وشعور إن النهاية قربت محوط المكان.
​يوم الخميس عدى في هدوء تام. شريف بياكل مكرونة، وأميرة بتعمل لنفسها سلطات.
​يوم الجمعة بالليل، نزل إشعار على موبايل أميرة:
​«تم سحب مبلغ: ١٢٥٠ جنيه. أبلكيشن طلبات.»
​وقفت في نص الشارع وبصت لشاشة الموبايل بذهول. الرصيد اتغير.. كارتها كان متوصل بالحساب المشترك في الأبلكيشن.
​فتحت أميرة سجل الطلبات بسرعة.
​طلب بيتزا.
العنوان: شقتهم.
العميل: شريف عبد الله.
​ابتسمت أميرة بسخرية، وداست على زرار «إيقاف الكارت فوري».
​رجعت البيت بعد ساعة. شريف كان قاعد على الكنبة، وجنبه كرتونة بيتزا فاضية، والتلفزيون شغال على فيلم.
​— «بالهنا والشفا.»
​شريف اتخض ولف بص وراه:
​— «أوه.. أهلاً.»
​رمت أميرة المفاتيح على الجزامة:
​— «البيتزا كانت حلوة؟»
​— «يعني.. زهقت من المكرونة.»
​— «عشان ألف وسبعمية جنيه، كان المفروض تبقى أحسن من كدة.. خصوصاً إنها من فلوسي أنا.»
​شريف كشر وشُه:
​— «هنرجع نرجع لنفس الكلام تاني؟ أنا هاخد الجمعية يوم ٢٥ وهردلك الفلوس.»
​— «لا، مش هترد حاجة.»
​دخلت أميرة أوضة النوم وطلعت جزامة كرتون قديمة من الدولاب. دي علبة الشيل والتجميع بتاعة الفلوس الكاش، اللي بيشيلوا فيها مصاريف الطوارئ والإجازات.. كانوا بيحطوا فيها قرشين كل فترة.
​كان المفروض يكون فيها حوالي ١٢٠ ألف جنيه.
​فتحت أميرة الغطا.
​العلبة كانت خفيفة بشكل يثير الشك.
​مفيش جواها أي حاجة غير تراب..
​وورقتين بـ ميتين جنيه.
​أميرة اتجمدت مكانها، ووجع شديد عصر بطنها.
​مسكت العلبة، وخرجت بيها على الريسبشن، ورمتها على الكنبة جنبه بحدة..
​العلبة خبطت في الشلتة وصوتها رن في الأوضة…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *