رفضي من1-3
“إلى هـ. — أنتي دايماً كفاية.”
اضطريت أحط إيدي مفرودة على الترابيزة عشان أصلب طولي وأتمالك نفسي.
عم فرج تنحنح وبص بعيد بكل أدب وأنا بعيط. مايا كانت بتطبطب على ضهري.
”قانوناً،” عم فرج قال في الآخر، “بما إن مسجل عنها إنه مسروق، المفروض أشيلها للظابط. بس أقولك على حاجة. أنا هتصل بالظابط بتاعك دلوقتي. لو قال عادي أسلمها ليكي بصفتك صاحبتها، تبقى بتاعتك. وأنا هبقى أطالب الشخص اللي رهنها بالالف وتلاتمية بتوعي. دي مشكلتي أنا مش مشكلتك.”
المقدم هشام وافق.
خرجت من المحل وعقد لؤلؤ أمي ملفوف حوالين رقبتي، ولأول مرة من أسبوع، حسيت إني قادرة أتنفس لآخر رئتي.
المكالمة جات يوم السبت بالليل. بعد أسبوع بالظبط من يوم ما وفاء طردتني.
كنت قاعدة في بلكونة مايا مع كوباية شاي بابونج، اللؤلؤ دافي على رقبتي، لما اسم شريف نور على شاشة تلفوني.
المرة دي، رديت.
”هالة.” صوته كان باين عليه الارتياح، كأنه كان كاتم نفسه بقاله أيام. “الحمد لله. أنا كنت هتموت من القلق.”
مقلتش ولا كلمة.
”اسمحيلي،” كمل بسرعة. “أنا اتكلمت مع أمي. هي هديت خالص. وعايزة تلم العيلة كلها على عشاء الأحد بكرة. نفس الناس بتوع الأسبوع اللي فات. بتقول لو جيتي وقولتي بس إنك متأسفة على الطريقة اللي اتكلمتي بيها معاها، كل حاجة هترجع لطبيعتها. حتى قالت إنك مش هتعملي الأطباق.”
ضحك ضحكة صغيرة، كأنها نكتة كريمة منه.
”وبعدين؟” قلت له.
”وبعدين…” تردد. “في حاجة صغيرة مع البنك. هي ولا حاجة يعني. هما محتاجينك تروحي تأكدي على إمضتين تلاتة كده. مجرد إجراء شكلي. شركة تامر محتاجة سيولة عشان يخلصوا مشروع كبير، وأول ما يخلص، هيردوا كل حاجة في خلال سنة بالكتير. والشقة مجرد ضمان محطوط. مش إن حد بياخدها يعني.”
حطيت الشاي بتاعي على الترابيزة بكل حرص.
”شريف،” قلت. “أنا ماسكة طلب القرض في إيدي دلوقتي.”
كانت حقيقة. جريس كانت بعتالي نسخة كاملة شحن سريع. كانت محطوطة على ترابيزة البلكونة جنبي في حافظة بلاستيك شفافة. تلاتة وعشرين صفحة. اسمي مكتوب فوق. وإمضا تحت شكلها كأن حد كان شافف اسمي من كارت عيد ميلاد.
الخط بقى ساكت تماماً.
”مين اللي امضى باسمي؟” سألت.
”هالة…”
”مين اللي امضى باسمي يا شريف؟”
نفس طويل.
”سارة،” قال في الآخر. “سارة هي اللي امضت. كانت بتتمرن من شيكاتك القديمة. ومديرة مكتب تامر هي اللي عملت موضوع ختم التوثيق ده. أنا بس… أنا بس اديتهم صورة العقد وسكان بطاقتك. ده كل اللي عملته. وربنا يعلم.”
”ده كل اللي عملته،” كررت كلماته.
”كانوا هيضيعوا وكل حاجة تروح منهم!” صوته علي. “تامر عليه فلوس للموردين، والبنك كان هيسحب منه خط الائتمان، وسارة كانت بترتعش من الخوف، وأمي كانت بتعيط كل ليلة. أنتِ عندك الشقة دي ركناهم، وأنتِ دايماً هادية ومتصرفة وعاقلة، وأنا قولت… قولت لو كل حاجة مشيت صح، أنتِ حتى عمُرك ما هتعرفي. ولو عرفتي بعدين، هتفهمي. إحنا عيلة يا هالة.”
“كنت تعرف عن كروت الائتمان؟”
سكون.
”كنت تعرف عن العربية الليكسز؟”
”أمي قالتلي إنك مش هتمانعي،” قال بصوت واطي. “قالتلي إن ائتمانك كويس وإن الموضوع مش هيضرك في حاجة.”
غمضت عيني.
فكرت في الأربع سنين اللي فاتوا. فكرت في كل مرة صغّرت فيها من نفسي ووطيت راسي عشان الدنيا تمشي ويبقى في سلام. فكرت في كل عزومة ومناسبة قضيتها واقفة في المطبخ وهو قاعد يتفرج على الماتش. فكرت في الطريقة اللي كان بيكلمني بيها ويقولي “عدي الليلة عشان خاطري” كأنها أسلوب حياة.
”أنا هاجي بكرة،” قلت له.
”بجد؟” الارتياح في صوته كان يوجع القلب من كتر ما هو واضح. “هالة، ده شيء جميل جداً. ممتاز. أمي هتفرح أوي. الساعة ستة، ماشي؟ وهاتي معاكي المفاتيح، عشان نخلص من الموضوع ده كله ونقفل الصفحة.”
”هجيب كل حاجة معايا،” قلت.
وقفلت السكة