رفضي من1-3
الجزء الرابع
”ابدئي من الأول خالص،” رانيا قالت. “متسبيش أي تفصيلة حتى لو فاكراها صغيرة. الحاجات الصغيرة دي هي اللي بيبقى فيها أصل الحكاية.”
فحكيت لها كل حاجة.
شقة التجمع دي كانت بتاعة أمي. بعد ما بابا اتوفى وأنا عندي تسع سنين، أمي اشتغلت شغلانتين، ورجعت تدرس في الجامعة وهي عندها أربعين سنة، ولحد ما عملت شركة توظيف صغيرة بس ناجحة. اشترت الشقة دي في التجمع وأنا في الكلية، شقة ناصية بشبابيك كبيرة ومطلة على الجاردن. كانت دايماً بتقول إن دي أول حاجة في حياتها محدش يقدر ياخدها منها.
ولما اتوفت بالسرطان من تلت سنين، سابتهالي ليا. ليا أنا وبس. وكانت مدفوعة بالكامل. كنت بأجرها إيجار مفروش واحتفظ بالدخل ده عشان أصرف بيه على شركتي، وعشان أساعد عيلة شريف أكتر من المرات اللي أقدر أعدها.
حكيت لرانيا عن فلوس التشطيبات. اتنين وستين ألف دولار عشان مطبخ وفاء وحمايا سمير، وسقف البيت والحمام، عشان شريف قال إن أهله مش هيقدروا يتصرفوا وإحنا هنقعد معاهم “بس لحد ما السوق يهدى.” حكيت لها عن مصاريف علاج سمير في المستشفى بعد عملية تغيير المفصل لما التأمين بتاعهم رفض يغطي مركز التأهيل. حكيت لها عن الفلوس اللي كانت بتختفي من درج مكتبي. حكيت لها عن عقد اللؤلؤ بتاع أمي، اللي وفاء استعارته “عشان عزومة بس” من ست شهور ومرجعتهوش أبداً.
رانيا كانت بتكتب باستمرار من غير ما ترفع عينها. ولما خلصت كلامي، خبطت بقلمها مرتين على الأجيندة.
”أولاً،” قالت رانيا، “الشقة دي ملكك الخاص. أنت ورثتيها. ومكتوبة باسمك لوحدك. شريف ملوش أي حق يرهنها، والتوكيل المزورة دي مش بتدي أي حد أي صلاحية. القرض ده بح.”
طلعت نفس طويل ماكنتش عارفة إني كنت حابساها.
”ثانياً،” رانيا كملت، وصوتها بقى أهدى، “الست بتاعة البنك عندها حق. الموضوع ده نادراً ما بيبقى مرة واحدة وبس. تعالي نطلع تقاريرك الائتمانية. دلوقتي حالاً.”
أخدت مننا عشرين دقيقة.
ولما أول تقرير حمل على لاب توب رانيا، حسيت إني بقرا عن واحدة غريبة تماماً.
كارت ائتمان عمري ما فتحته، صادر من تمان شهور. المديونية: 18,400 دولار.
كارت تاني، من خمس شهور. المديونية: 9,750 دولار.
عقد إيجار منتهي بالتمليك لعربية لكزس SUV بيضا، متوقع من أربعتاشر شهر واسمي مكتوب فيه كالمستأجر الأساسي.
حطيت إيدي على بقي.
”سارة بتركب لكزس بيضا،” وهمست. “قالت للكل إن تامر فاجئها بيها في عيد ميلادها.”
رانيا لفت اللاب توب ناحية مايا، اللي قرت الكلام وغمدت عينها.
”وعنوان المراسلات في التلاتة،” رانيا قالت، “هو بيت وفاء.”
طبعاً. لأني بقالي سنتين عايشة في البيت ده. وفاء كانت دايماً هي اللي بتاخد البوسطة الأول. وكانت دايماً تقول إنها “هتنظمها” وتسيب حاجتي على ترابيزة المطبخ. ساعات كان الموضوع بياخد أيام. وساعات حاجات كنت مستنياها مكنتش بتوصلني أبداً، وكانت بتقولي إن مكتب البريد اللي في منطقتهم زفت.
الجزء الخامس
كنت صدقتها. كنت مصدقاهم كلهم.
”هالة،” رانيا قالت. “بصيلي.”
بصيت لها.
”ده مش ذنبك. الناس اللي بيعملوا كده بيعتمدوا على إنك شخص محترم. بيعتمدوا على إنك مش عايزة تعملي شوشرة. بيعتمدوا على إنك من نوعية الناس اللي بتقول ‘كبري دماغك وعدي الليلة’. دي مش نقطة ضعف. دي مجرد حاجة هما استغلوها.”
مايا ضغطت على كتفي. “ودلوقتي خلاص، أنتِ خلصتي تكبير دماغ.”
هزيت رأسي، بس عيني كانت مليانة دموع.
قضينا بقية يوم الأحد نعمل حاجات كانت تحسسنا إنها ضخمة وفي نفس الوقت عادية بشكل غريب. جمدت الائتمان بتاعي في كل شركات الاستعلام الائتماني. قدمت بلاغ سرقة هوية على النت. ومضيت على إقرار عدم صحة التوقيع والتزوير بتاع البنك. رانيا اتصلت بظابط مباحث تعرفه في قسم الجرائم المالية في مباحث المعادي، ووافق يقابلني يوم الإثنين بعد الظهر.
في الليلة دي، شريف اتصل أربع مرات. سبت كل المكالمات تروح للبريد الصوتي.
آخر رسالة سابها كانت مختلفة عن الباقيين. ماكانش زعلان خلاص. كان باين عليه التوتر والظاهر إنه خايف.
”هالة، أنا شريف. بصي، أمي هديت. بس… اتصلي بيا ماشي؟ وبلاش تتكلمي مع أي حد في موضوع الشقة ده لحد ما نتكلم. الموضوع معقد. وأنا أقدر أفهمك.”
بلاش تتكلمي مع أي حد.
دي كانت أول مرة في أربع سنين جواز أكتشف فيها إن جوزي خايف مني.
الجزء الثالث (تابع)
المقدم هشام كان راجل طويل في الخمسينات، حاطط نظارة قراءة بسلسلة حوالين رقبته، ومكتبه متغطي بملفات متصنفة بانتظام. سمعني من غير ما يقاطع، وبعدين طلب مني أعيد جزء واحد تاني.
”الموثق،” قال. “ختم مين اللي على التوكيل؟”
سحبت النسخة اللي جريس بعتتهالي على الإيميل وحطيتها على المكتب. ختم التوثيق كان باسم نجلاء جابر.
أنا ماعرفتش الاسم. بس الظابط عمل حاجة على الكمبيوتر بتاعه، وبعد دقيقة رفع عينه.
”نجلاء جابر بتشتغل مديرة مكتب،” قال. “في شركة المقاولات بتاعة تامر.”
شركة تامر.
”يعني الموثق عمري ما شافني بمضي على حاجة،” قلت ببطء، “لأني عمري ما كنت هناك.”
”ده تخميني.” المقدم هشام قلع النظارة. “أستاذة هالة، أنا عايز أكون صريح معاكي في الموضوع ده بيمشي إزاي عادة. البنك خلاص قدم البلاغ بتاعه. بالأوراق المزورة، وبطلبات كروت الائتمان، وعقد العربية، والموثق اللي متوصل بشركة المقويتل، دي قضية تقيلة. الناس المتورطة ممكن يواجهوا عواقب حقيقية. اتهامات رسمية. رد أموال. وممكن أكتر من كده.”
ساب الكلام يثبت في دماغي.
”في ناس في موقفك بغيروا رأيهم لما بتطلع العيلة. بيتراجعوا. مش بيبقوا عايزين يكونوا السبب في إن حد يتأذى. أنا فاهم ده. بس عايزك تعرفي، هما مش في مشكلة بسببك هما في مشكلة بسبب اللي هما عملوه.”
افتكرت وفاء وهي فوق عند السلم، بترميك هدومي في الشارع. أزاز البرفيوم بتاعي وهو بيتكسر. والإزاز المكسور على وش شريف في صورة فرحنا. وسارة وهي بتبص لضوافرها، وبطلب مني اغسل طبقها وإيدي متلسعة وهي بتركب عربية أنا بدفع أقساطها من غير ما اعرف.