منة
سكت.
كملت وهي بتقفل المصحف بحذر:
“أنا مش عايزة أكون مكان حد… ولا عايزة أعيش في ظل ذنب.”
قرب منها خطوة، بس وقف مكانه لما شاف نظرتها.
قال بصوت أخف:
“أنا مش بطلبك كبديل… أنا بطلبك كبداية جديدة.”
ضحكت ابتسامة صغيرة حزينة:
“كل اللي حواليك بيقولوا كده بعد ما يخسروا.”
سكت.
في الأيام اللي بعدها، يوسف حاول يثبت كلامه بالفعل، مش بالكلام.
ما بقاش بيرد على أي رسائل قديمة من نرمين لو ظهرت صدفة.
غيّر شغله عشان يبعد عن أي دائرة كانت جزء من الماضي.
وبقى كل يوم ييجي بدري يقعد معاها، من غير ضغط، من غير طلبات.
بس منه… كانت لسه واقفة على مسافة.
مش بتقرب… ومش بتبعد.
في يوم مطر خفيف
كانت قاعدة في البلكونة، بتبص للنقط اللي بتنزل بهدوء.
يوسف خرج حاطط كوبايتين شاي.
قال:
“بردان؟”
هزت راسها لا.
قعد جنبها من غير ما يقرب زيادة.
سكتوا شوية.
وبعدين قالت فجأة:
“تعرف أصعب حاجة؟”
بصلها.
“إنك تبقى عارف إن حد ممكن يحبك… بس مش متأكد إذا كان اتغير ولا لسه بيهرب من نفسه.”
تنهد.
“أنا ما بتهربش… أنا بتعلم.”
بصتله أخيرًا.
“وبتتعلم إيه؟”
قال بصراحة:
“إني ما أخلطش بين الحب والاعتماد… وما أظلمش حد عشان خوفي.”
سكتت.
المطر كان بيزيد شوية.
بعد لحظة طويلة
قالت بهدوء:
“لو هنبدا… هنبدا ببطء.”
ابتسم لأول مرة من قلبه:
“حتى لو ببطء… المهم نبدا صح.”
هزت راسها.
بس قبل ما تقوم، قالت:
“ولو غلطت تاني؟”
رد من غير تردد:
“هخسرك… لأن ده الطبيعي.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“دي أول مرة أصدقك فيها.”
بعد شهور
البيت بقى مختلف.
مش مثالي… بس هادي.
منه رجعت تشتغل في مجالها، من غير ما تعتمد عليه.
ويوسف بقى أقرب لنفسه قبل ما يقرب ليها.
نرمين ما رجعتش.
لكن أثرها اختفى ببطء، مش بانفجار.
وفي ليلة هادية
كانت منه بتقفل الأنوار.
يوسف نادى من الصالة:
“منه… تعالي لحظة.”
دخلت.
كان قاعد على الترابيزة، حاطط علبة صغيرة.
قال:
“مش خاتم… قبل ما تخافي.”
ابتسمت بخفة.
فتح العلبة… كان فيها مفاتيح.
سألت:
“إيه دي؟”
قال:
“شقة صغيرة… باسمك… عايزك تبقي حرة حتى وإنتي معايا.”
سكتت.
بصتله.
وبعدين قالت بهدوء:
“الحرية مش مكان… الحرية اختيار.”
هز راسه.
“وأنا اخترتك من غير ما أقيدك.”
وقفت لحظة.
وبعدين مدّت إيدها وأخدت المفاتيح.
وقالت بابتسامة بسيطة:
“يبقى نكمل… بس برضه ببطء.”
ابتسم.
“على مهلك… أنا اتعلمت ما استعجلش حاجة حلوة.”