علي 4

مش مصدق إنها محتفظة بوردة بسيطة من الجنينة كل السنين دي. وردة هو نفسه نسيها… لكنها شايفاه ذكرى.
رجع بعقله لأول يوم شافها فيه. كان بطبيعته الصامتة، قليل الكلام، متجنّب الاختلاط بأغلب العيلة. الوحيد اللي كان قريب منه فعلًا هو بدران، أخوه بالمعنى الحرفي… كأنه ظلّه.
أول مرة دخل علي البيت… عيناه كانت بتراقب كل ركن فيه بريبة. لكن قبل ما يخطو للداخل، لمحه توقّف.
كانت هناك… طفلة صغيرة، بالكاد في السادسة. شعرها خفيف يتطاير، عيونها لامعة بالبراءة. في يدها زهرة، وعلى بتلاتها فراشة صغيرة.
قامت تقفز وحدها في الحديقة، تحاول تمسك الفراشة بكلتي يديها.

كانت وحيدة، ومع ذلك وجهها مليان ضحك طفولي مشاكس… كأنها قادرة تخلق عالمها بنفسها، حتى لو محدش شايفها.
علي وقف متس,مّر. طفلة مش شبه البيت اللي داخل له… ملامحها مختلفة، ناعمة وبريئة، وكأنها ما تنتميّش للفوضى والبرد اللي جواه.
لكن اللي زاد ارتباكه… إنها فكّرته بوجه تاني. شخص يحاول يهرب منه من سنين، ومع ذلك طيفه مسيطر على قلبه وعقله.
وعد… الطفلة دي مش مجرد طفلة.

في الليل، البيت كله هادي… بس عناد السكون كان بيخنق.
علي قاعد في سريره، عينه مفتحة، بيبص للسقف كأنه شايف حاجة محدش غيره يقدر يشوفها. النوم بالنسبة له بقا حلم صعب المنال.
فجأة س,مع صوت رقيق، طفولي:مش عارف تنام؟ اتصد.م، التفت بسرعة للصوت، لقى وعد واقفة جنبه على السرير.
قال بدهشة: دخلتي إمتى؟ ابتس,مت بخفة وقالت: من شوية… الباب كان مفتوح. أنا مدخلتش من غير ما أخبط. كأنها بتبرر نفسها عشان ميضايقش منها.
جلس علي على حافة السرير، قال وهو مركز معاها:

بتعملي إيه هنا؟ جلست جنبه وقالت ببراءة: أنا كمان مش عارفة أنام… بس مش زيك، إنت أصلاً ما بتنامش كل يوم. رفع نظره لها بحدة وقال: بترقبيني يا وعد؟ أوم,,ات برأسها بخجل، وقربت منه أكتر، مدّت إيديها ومسكت وشه بين كفيها الصغيرة، وقالت بابتسامة هادية: يلا… هساعدك تنام. غمّض عينيك. علي اتجمد من تصرفها، صوته خرج جاف: اخرجي يا وعد. لكنها تجاهلت كلامه، وبدل ما تقوم… استلقت جنبه على السرير.
تنهد علي بعمق، وكأنها كسرت كل الحدود اللي هو نفسه حاططها.
وقبل ما يلحق يبعدها، لقاها بتحــ,,ـــــضنه من غير خ,,وف… وكأنها الطفلة اللي جواه مش هي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *