علي 4

اتألم بدران، حس الد.م اتحبس في إيده، بس فضِل ماسك الحبل بكل قوته، عرقه بيتصبب وهو بيصارع المــ,,ـــــوت.
والشاب… ثابت، بيشد بقوة، يلف الحبل حوالين إيده مرة بعد مرة، وكل ما يسحبه بدران يساعد نفسه برجله لحد ما طلع أخيراً على الكوبري. وقع على الأرض وهو بيشهق بشدة، قلبه بيدق كأنه هيكسر ضلوعه. رفع عينه ببطء، لقى نفسه لسه عايش، ولقي الراجل ده واقف قدامه زي الصخر. قال بدران وهو بيتنفس بصعوبة: “ا… انت مين؟”

الشاب ما ردش.
جلس بدران على الأرض، يحاول يلملم نفسه، وقال وهو بيبصله بامتنان وارتباك: “إنت أنقذتني… أنا مديونلك بحياتي. عرفني اس,مك… عشان أكافئك.” ابتس,م الشاب ابتسامة باهتة وقال بهدوء: “مش عايز مكافأة.” اتجمد بدران، رد بسرعة: “أمال عايز إيه؟” اقترب الشاب منه، وصوته كان غامض وهو بيقول: “دين.” عين بدران اتسعت بدهشة، مش فاهم قصده. لكن الشاب مد له منديل، وقال وهو بيركبه في إيده:

“الرجالة اللي هجموا عليك مرتين… أنا كلمت البوليس يشوفهم.”
بصله بدران، وفهم من كلامه إن الرجالة مش تبعه… لأنه لو كان متواطئ معاهم كان زمانه خبّاهم بدل ما يسلّمهم للبوليس.
تابعه بنظره وهو بيلف ويمشي، وقلب بدران بيغلي من التفكير… عينه راحت على المنحدر اللي كان على وشك يبتلعه، ورجع ببصره للشاب اللي خاطر بحياته عشانه. وقف بدران على رجليه، وقبل ما الشاب يركب المــ,,ـــــوتوسيكل ناداه: “استنى!” توقف الشاب ونظر له.
اقترب بدران بخطوات مترددة وقال:

“اس,مك إيه؟” صمت الشاب لثوانٍ، وكأنه بيفكر هل يقول ولا لأ… وبعدين نطق أخيرًا: “علي… اس,مي علي.” تس,مرت نظرات بدران عليه، شعور غريب اجتاحه… كأنه يعرفه من زمان، وكأن بينهم ماضي مشترك مجهول. لكن الإحساس بالوف,,اء اللي لمسه من علي خلّى جواه يقين واحد:
“ده الشخص اللي مش هقدر أستغنى عنه طول حياتي.” — عودة إلى الحاضر

خرجت وعد من أوضتها بهدوء، وقفت للحظة تبص ناحية أوضة علي.
رفعت وعد إيدها تلمس شفايفها، صورة قبلتها مع على ضــ,,ـــــربت عقلها من جديد. قلبها اتلخبط… مشاعر غريبة بتشدها ناحيته، وإحساس بالذنب بيخنقها.
نفضت أفكارها بسرعة، كأنها بترمي حاجة محرمة من د.ماغها، وطلعت السلم. وقفت قدام أوضة علي، لكن قبل ما تمد إيدها على الباب، وقفت مكانها لما س,معت صوت أبوها جاي من جوه:
بدران: “بقيت أحسن دلوقتي؟” علي: “عملت معاها حاجة؟” بدران: “لا… محجوزة في القس,م. إنت قولت أسيبها لك تتصرف.” بص بدران لعلي وقال: “متقلقش، مش هتكون عاهة… أنا هعين حراس تانين.” علي أومأ وقال: “اختارهم كويس يا بدران. ساعات بيكونوا خونة… زي اللي حصل هنا.” بدران اتجهم: “قصدك إيه؟” علي: “يعني لو في عداوة… الحارس مش بيمنع الغدر. ممكن هو نفسه يكون أول واحد يغدر بيك.”
بدران اتنهد وقال: “أنا هعينهم عشانك… أنا خايف عليك.” ابتس,م علي بخفة: “عارف إني مش بحب حد يرافقني… وأنا كفيل أحمي نفسي. لو عايز رجالة، أجيبهم أنا. متشغلش بالك.” بدران بان عليه ضيق: “ليه مش بتحب تخليني أساعدك؟” علي: “مش بحب أتعبك.” ابتس,م بدران من إجابة علي وقال: ـ عارف إن السبب الحقيقي مخبيه… بس ماشي، هعدّيها. اللي حصل أنا السبب فيه. رن جرس الاوضه، فالتفت بدران وقال: ـ هتعرف تنزل تفطر معانا؟ رد علي ـ خليهم يطلّعوا الأكل هنا.
أومأ بدران بتفهم، ثم أضاف ـ النسايب وعد جايين النهارده. سكت علي فجأة لما س,مع اس,مها، عيناه اتغيرت، كأن الكلمة لوحدها حرّكت جواه حاجه. بدران لمح التغيير وقال بابتسامة خفيفة: ـ عايزك تتعرف عليهم. قال علي ـ هي مخطوبة؟ هز بدران رأسه وقال بهدوء: ـ لسه… على وش خطوبة لو وافقت. أبو الولد صديقي من عيلة محترمة، والولد نفسه طيار. اتقابلوا قبل كده في حفلة اجتماع. ـ وبعدين؟ ـ هو اتقد.ملها فعلاً… بس وعد لسه بتفكر، والظاهر إنها رافضة.
ـ رافضة؟ طب وليه جايين تاني وبتقول عليهم نسايبها؟ ـ لأنه شاب ما يترفضش… محترم وناجح. ووعد ما وضّحتش سبب رفضها. يمكن متوترة، وأنا عارف بنتي. سكت علي، فبصله بدران وقال: ـ عايزك تقابله، واثق إنه هيعجبك، ووعد ممكن تتقبل الكلام منك. يمكن تكون خافت تقولي عشان أنا شديد. رد علي: ـ أو عشان إنت دايمًا مش سامعها. قال بدران: ـ المشاغل كتير، قليل لما بشوف عيلتي، بس ف الآخر كل ده ليهم. سكت علي. خرج بدران من عنده، وعلي مسك تليفونه واتصل.
رد مالك بسرعة: ـ إنت بخير؟ عرفت اللي حصلك. قال علي: ـ جهز العربية عشان نمشي. مالك بتردد: ـ بس إنت مريض، خليه بعدين. علي بحزم: ـ هقابله النهارده، جهز العربية زي ما بقولك. مالك استسلم: ـ حاضر. في الكلية، كانت وعد قاعدة مع صحابها في الكافيه.سألتها ياس,مين: ـ عمك عامل إيه؟ تنهدت وعد وقالت ـ بطلي تتكلمي عنه. ضحكت ياس,مين:ـ أنا معجبة بيه. دخل زميلهم وقال لياس,مين:ـ إنتي بتعجبي بأي حد تشوفيه. ضحكت ياس,مين:ـ معاك حق.
ضحكوا كلهم، وفجأة شافوا شاب ملفت واقف مع مجموعة حواليه، واضح من وقفته وكلامه إنه محور الكون، وكمان شكله يدل إنه ثري. وعد بصت له لحظة، ولما عينه جت في عينها حولت نظرها بهدوء وكأنها مش مهتمة. زميلتها قالت:ـ أول ما الكابتن حازم يدخل البنات بتتلم حواليه. زميلهم قال مازحًا:ـ خلاص بقى، بدل ما وعد تتضايق. وعد قالت:ـ وأنا هتضايق ليه؟ ياس,مين ـ مش في مشروع خطوبة بينكم؟ وعد بهدوء:ـ مفيش الكلام ده… محصلش نصيب وخلاص.
استغربت ياس,مين:ـ ومقولتليش ليه؟ أنا طول الوقت بحسبك خطيبته، عشان كده كنت بتجنبه. دخل زميلهم وقال:ـ ليه رفضتيه؟ أنا شايفه ممتاز. ردت وعد-مبحبوش. بصولها باستغراب، فقالت واحدة من صحابها: ـ بلاش تاخدي اللي بتحبيه، لأنك هتكوني ضعيفة قدامه… والحب ده أصلًا مش موجود. زميلها أضاف:ـ دي حقيقة، ممكن تحبيه مع الوقت. لكن تاخدي “حب حياتك” من الأول؟ ساعات يتحول لعنة لو اتأذيتي. قاطعتهم ياس,مين بحدة:ـ طب ليه بتخ,,وفوها كده؟ وعد قالت:ـ لا مفيش حاجة، هما فاكرين إني مرتبطة فبينصحوني بس.
قامت من مكانها، فسألوها:ـ رايحة فين؟ قالت وهي بتمسك شنطتها:ـ مروحة. في العربية كان علي راكب جنب مالك اللي كان بيسوق. مالك سأل: «مالك، إنت مضايق؟» علي رد: «المفروض أفرح باللي حصل.» مالك قال: «المهم إنك بخير.»
علي قال: كانت عايزة تق.تلني.» مالك رد: «كانت عايزة ت. بدران بيه.» علي «لأ… كانت عايزة تق.تلني أنا. أنا… أنا شيطان. بدران-درّاعه اليمين أنا… أنا رأس الأفعى اللي بتخرجه من كل مصيبه وتعليه شويه شويه.» مالك سكت عن كلام علي. بعد شوية علي كمل: «إيدي بقت مذنبة في د.م ناس كتير. في ناس عايزة تق.تلني زي اللي حصل امبارح؛ عايزين ينتقموا من الظالم اللي أخد روح ابنها.» مالك قال: «بدران بيه قالك إنها كانت دــ,,ـــــادثة.» علي: « قال كده عشان يريحني مالك بصله من شروده قال: «عايز تعمل إيه؟» علي رد:
«دوري على حد من العمال يومها اللي كان مسؤول عن السفينة نفسها.» مالك قال: «حاضر… طب والست اللي في الحبس؟» علي رد: «خليهم يخرجوها.» مالك استغرب: «يخرجوها إزاي؟ دي شكلها مش هتسيب حق ابنها وبتاخد تارها.» ابتس,م علي وبصّ له: «فاكر إن الحق ذنب؟ وتل اللي بسعى عشان آخد حقي.» مالك: «الخطر عليك إنت.» علي قال بهدوء: «متقلقش… المو.ت مش هيقدر ياخدني دلوقتي طول ما لسه ما حققتش انتقامي.» ــ
في أوضتها، كانت وعد بتغيّر هدومها. الباب اتفتح ودخلت رانيا. وعد قالت: «دخلتي ليه من غير ما تخبطي؟» رانيا ردّت: «اتأخرتي ليه؟» وعد: «كنت قاعدة مع صحابي.» رانيا: «طب البسي فستان، نسايبكم جايين.» وعد استغربت جدًا وقالت: «قولتلك أكتر من مرة إنهم مش نسايبي… أنا ما وافقتش عليهم أصلاً! رانيا قالت: «ولا رفضتي؟! ثم أنا بقولك البسي عادي يا وعد، لأنك هتتعقدي معاهم… مش إجبار يعني.» وعد ردّت بضيق: «ولو مش إجبار… جايين ليه؟» رانيا: «زيارة… وحازم رجع معاهم.» وعد باستغراب: «عارفة؟» رانيا: «منين؟ إنتو بتتكلموا؟» وعد:
«شوفته في الجــ ـامعة.» رانيا «سلمتوا على بعض؟ أو اتكلمتوا؟» وعد ما ردتش. من سكوتها، رانيا فهمت إنهم ما اتكلموش رانيا: «يلا، البسي وجهزي نفسك عشان باباكي ما يضايقش.» مشيت وقفلت الباب وراها. وعد تنهدت بضيق وهي تبص لنفسها في المراية. ــ
في فيلا كبيرة، كان راجل قاعد على كرسي هزّاز، ملامحه هادية لكن شامخة. دخلت خاد.مة وقالت باحترام: «علي بيه وصل.» قال بهدوء وقال: «دخليه… علي مش محتاج يستأذن يدخل.» ظهر علي من وراها ومعاه مالك. قرب بخطوات واثقه قال: «الكرسي المقدّس… اللي عمرك ما بتقوم من عليه.» ابتس,م الرجل وقال«اقعد يا علي… بقالك غيبة كبيرة.» وبإشارة لمالك أضاف: «واقف ليه؟» قرب مالك وسلم عليه باحترام: «إزي حضرتك يا رضوان بيه؟» رضوان رد بهدوء: «بخير.» نظر رضوان لدرع علي المص,,اب وقال:«يبقى اللي س,معته صح… واحدة اتهجمت عليك وص,,ابتك.» علي قال:
«إص,,ابة بسيطع.» رضوان علّق : «بس من واحدة ست.» علي حس إنها إهانة متعمدة.رضوان سأل: «عرفت هي مين؟» علي: «آه.» رضوان: «وبعدين؟» علي: «مفيش… هتاخد إفراج سبيل.» رضوان: «إفراج…؟ متعودين عليك تسيب حقك؟..» علي : «عشان مفيش حق… واقفل على الموضوع. أنا جاي لك في حاجة تانية.» رضوان: «إيه هي؟» علي: «قلت إنك لقيت ظابط القضـ ـية.» رضوان أومأ: «آه… وعشان كده كنت عايزك تنزل.» علي باهتمام: «اتكلم… هو فين؟» رضوان بهدوء: «مالهوش لزوم تعرف.» علي بصوت مخيف:
«إنت عارف كويس أنا عايش ليه وهدفي إيه… وعارف قد إيه الظابط ده ليه كل اللزوم.» مالك حاول يهدي: «أكيد رضوان بيه ماقصدش كده يا علي.» لكن علي انفجر بغضــ . ــب: «متدخلش يا مالك! قول يا رضوان… فين مكانه فوراً؟» رضوان قال ببرود: «ميت.» سكت علي، ومالك قال بتردد: «كنت عايز أقولك كده قبل ما تنزل…» علي قاطعه: «ميت مقتو.ل… ولا إيه؟» رضوان: «لأ… عمل دــ,,ـــــادثة وهو سكران. اللي عرفته إنه من زمان بعد ما اتقفلت القضـ ـية استقال… أو بمعنى أصح، ريحوه في البيت بمرتب.
لكن اكتشفت إن حسابه كان فيه مبالغ كبيرة غير اللي بياخدها. عاش حياته بين الخمرة والنسوان، وبعد عن مراته وولاده… ولحد ما م,,ات في دــ,,ـــــادثة من تلات سنين.» سكت علي وهو بيجمع قبــ,,ـــــضته، ثم قال ببرود: «بيروح بمعاشه؟ مكافأة نهاية الخد.مة؟ ولا عشان انسحب من التحقيق وهو عارف إن القضـ ـية هتفتح تاني؟»
رضوان هز راسه: «كل حاجة ليها أسبابها… والفلوس اللي معاه ليها معنى.» مالك فهم وقال: «يعني كان متأمّن على حياته كلها… استقال وقلبه مرتاح وضميره ميت؟» علي وهو بيجمع قبــ,,ـــــضته: «كده واحد نقص.» رضوان : «على» علي بهدوء حاد: «كان لازم يمو.ت على إيدي أنا.» رضوان بصوت متحذّر: – متشلش عينك على عدوك الحقيقي.» علي ابتس,م ابتسامة مرة، ونبرة صوته صارت أخطر: «أنا عارف أعدائي مين. والدائرة اللي دفــ,,ـــــنت الحق زمان هفضحها لما ألاقي الحقيقة اللي بدوّر عليها.» رفع علي عينه، كأنه بيجمع وحشاً داخله، وقال بهدوء مخيف: «وقتها… هتبقى حرب على الكل.»
في القس,م، كانت منى – المرأة نفسها اللي اتهجمت على علي – قاعدة في قفص ساكتة، وما بتتكلمش مع حد، لأنها حاطينها في عزلة لوحدها. محدش دخل عليها ولا حد حاطط لها أكل. عارفة إنها ارتكبت جــ. . ـريمة، ومش فارق معاها هيحصل لها إيه. فجأة الباب اتفتح، وقال الشاويش: «اطلعي يلا.» منى باستغراب: «هروح فين؟» الشاويش رد: «هتروحي…» منى ضاقت: «أروح؟» قال لها: «أه… علي بيه سحب القضـ ـية وأمر يخرجوكي.» منى سكتت من كل الكلام اللي س,معتُه. الشاويش كمل: «بعت مساعده وخلص كل الإجراءات. قال إنها كانت دــ,,ـــــادثة، وإنك ما عملتيش حاجة؛
دفعوا كفالتك وهتطلعي دلوقتي يلا.» منى فضلت ساكتة، كل اللي شافته جوه د.ماغها كان يقول إن هذا الشخص غبي… لأنها لو خرجت دلوقتي، وحتى لو هو فاكر إنه يقلل ذنبه ناحيتها فهي برضه مش هتسيبه، وهتحاول ت.ه تاني. خرجت منى وخدت شنطتها. قال لها الظابط: «أتمنى متعمليش أي غلط تاني يا مدام منى.» منى مردتش، أخدت حاجتها ومشيت.
وقفت لما شافت مالك واقف، ولما شافها خرجت، راح ركب العربية.
منى قالت: «أنت مساعده؟»
مالك: «حمدالله على سلامتك.»
منى ردّت: «قوله إنه غلط لما خرجني.»
مالك قال: قولتله… لكنه أصر تخرجي، وإلا كان اكتفى بسحب القضـ ـية وما دفعش الكفالة.»
منى سكتت. مالك قال: «عن إذنك.»
لفّ واخد عربيته ومشي.
—

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *