رحلة اخويا 2الاخير
ضحكت:
“يا جدي.. مش سحر هي!”
“عارف يا ستي.. بس أبو جدك كان هيبقى فخور بيكي جداً.”
رغينا عشرين دقيقة كمان.
عن الشغل.
عن الشقتي.
وعن إذا كنت باكل خضار كويس ولا لا.
وقبل ما نقفل، جدي سألني إذا كنت كلمت أهلي مؤخراً.
“يعني.. شوية.”
“والأخبار إيه؟”
فكرت كويس قبل ما أرد:
“أحسن.. غالباً. بس شكل تاني مختلف.”
هز راسه في التليفون كأني شايفاه:
“الاختلاف مش دايماً وحش يا حبيبتي.”
“عارفة.”
سكت شوية بحكمة.
“تقدري تحبي الناس كويس جداً، وفي نفس الوقت ترفضي تتقبلي تعامل سيء منهم.”
بصيت حواليا في شقتي الصغيرة.
لسنين طويلة، كنت فاقت إن البنت البارة المطيعة معناها إنها تفضل ساكتة ومبتعملش صوت.
وإن العقل معناها إنك تقبلي اللي أهلك يقرروه عليكي وخلاص.
وإن عشان كريم أصعب في التربية، فلازم أنا أبقى الأسهل والأهون.
دلوقتي بس فهمت حاجة كنت أتمنى أعرفها بدري:
إنك تكوني مسئولة ومش متعبة.. ممعناهاش أبداً إنك تبقي شفافة ومش متشافة.
وإن الحب الحقيقي.. عمره ما كان مفروض يعتمد على قد إيه إنتي مبتعمليش إزعاج لغيرك.
في عيد الشكر، رجعت البيت لزيارة قصيرة.
كنت خايفة ومترددة.
آخر مرة وقفت فيها في المطبخ ده، كنت لابسة فستان التخرج وعمالة أبلع دموعي بالعافية.
دلوقتي دخلت وأنا لابسة بنطلون جينز وسويتر عريض، وماسكة في إيدي صينية فطيرة قرع عسل خبزتها بإيدي.
ماما حضنتني بقوة.
وبابا سألني عن شغلي وظروفي.
وكريم ساعدني أدخل شنطة السفر بتاعتي جوه الأوضة.
مفيش حد جاب سيرة حفلة التخرج أول ما دخلت.
ولأول مرة، الكلام مكنش داير حوالين أخويا ومشاكله لوحده.
على العشاء، بابا سأبني عن أول مشروع هندسي كبير بشتغله.
شرحت له.
وهو سمعني.. فعلاً سمعني وركز معايا.
رفعت عيني بصيت لها:
“يا ماما.. أنا قضيت أربع سنين من عمري بشتغل ليل نهار عشان الشهادة دي.. كان ممكن تديني ليلة واحدة أتهنى بيها؟”
بصت في الأرض بكسوف.
“عارفة.”
“اومال عملتي كده ليه؟”
عيونها دمعت:
“عشان كريم كان متعصب أوي، ومكنتش عارفة أعمل إيه عشان أروق عليه وأخليه يهدي.”
بصيت لها بنظرة ثابتة:
“يعني اخترتي تخليني أنا أحس بالوجع أكتر؟”
بدأت تعيط.
وأنا مجريتش أسكتها ولا أطبطب عليها.
دي كانت حاجة جديدة عليا خالص.
طول عمري، لما ماما كانت تعيط، كنت بحس بالذنب ولازم أجري أصلح اللي زعلها.. حتى لو أنا كنت المظلومة والمضروبة.