نوران 1

​بقى ثابت تماماً.

​«كرري اللي قلتيه.»

​كررت المكان اللي تيتا كبرت فيه.

​كريم لفت ناحية رئيس الديوان بتاعه وهمس بحاجة.

​الراجل بص ليا في ساعتها.

​بطني انقبضت. أنا قلت إيه؟ ليه بلد ستي تهمه للدرجة دي؟

​كريم بص لي تاني.

​«ستك،» قالها ببطء. «كان اسمها إيه؟»

​ترددت.

​«ليه بتسأل؟»

​نظراته فضلت ثابتة في عيني.

​«عشان الطريقة اللي بتكلمي بيها بتفكرني بوحدة عرفتها زمان.»

​قبل ما ألحق أرد، تامر جه بسرعة.

​«مستر رحال، أرجوك سامح الموظفة دي. هي تعدت حدود صلاحياتها.»

​Kareem رفع إيده واحدة.

​تامر بطل كلام في ثواني.

​الصوت كان مبهر.

​راجل قضى الليلة كلها بيأمرني ويتحكم فيا، سكت تماماً بحركة إيد واحدة.

​كريم بص له مباشرة.

​«البنت الصغيرة دي هي أول شخص هنا أظهر لي احترام الاستماع ليا.»

​وش تامر بقى أحمر جداً.

​بس كريم مابقاش مهتم بيه خالص. انتباهه رجع ليا.

​«من فضلك يا آنسة بركات. اسم ستك إيه؟»

​بلعت ريقي.

​«مارجريت بركات.»

​اللون هرب من وشّه تماماً. صوابعه ضمت على بعضها بحركة خفيفة.

​ولأول مرة من ساعة ما دخل المطعم، كريم رحال بان عليه التأثر.

​مش غاضب. مش مهدد. قلبه مكسور تقريباً.

​افتكرت فجأة تيتا وهي قاعدة على ترابيزة المطبخ بتصلح لي نطقي بصبر لا ينتهي.

​افتكرت وهي بتقولي إن كل لغة شايلة جواها ذكريات.

​وكنت بسأل نفسي إذا كان فيه ذكريات هي عمرها ما شاركتها معايا.

​كريم قرب أكتر. صوته وطى لحد ما بقى شبه همس.

​«هل حكتلك في يوم عن الراجل اللي انقذته في نيويورك؟»

​ما كنتش قادرة أتحرك.

​تيتا كانت علمتني آلاف الكلمات. حكت لي قصص عن الطيبة، والشجاعة، والناس اللي كانوا محتاجين مساعدة.

​بس عمرها ما شرحت لي ليه ذكريات معينة كانت تخليها تسكت تماماً.

​دلوقتي أكتر راجل مخيف في المكان واقف قدامي، وشكله كأن اسم جدتي فتح جرح هو كان شايله معاه سنين طويلة.

​يا ترى مين الراجل اللي هي أنقذته؟

​وليه كريم رحال كان شكله كأنه عارف الإجابة أصلاً؟

​

«أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه.»

​الكلمات طلعت من بوقي أضعف وأصغر مما كنت عايزة.

​عينين كريم ما اتحركتش من عليا.

​«هي عمرها ما حكتلك عن راجل ساعدته؟ من سنين طويلة؟»

​«ستي ساعدت ناس كتير. كانت بتشتغل بالليل في مطبخ خيري في منطقة شعبية زمان لما كانت صغيرة.»

​في حاجة اتغيرت في وشه. لمحة خاطفة.. التعرف، يمكن، أو ألم.

​«مطبخ،» كرر الكلمة. «كان متوصل بملجأ.»

​إيدي راحت للياقة قميصي من غير ما أفكر. للسلسلة الدهب الرفيعة اللي كنت لابساها كل يوم من يوم ما تيتا ماتت. عمرها ما قلعتها. وعمري ما فهمت السلسلة اللي مدلدلة منها بالكامل برضه — قرص صغير، ممسوح من كتر اللمس، عليه حروف عربي كنت أقدر أقرأها بس عمري ما سألت حد يشرحهالي.

​نظرة كريم نزلت لإيدي.

​بعدين لرقبتي.

​بقى ثابت تماماً.

​«مستر رحال،» صوت تامر قطع اللحظة زي كاس اتكسر على الأرض. «بنيابة عن مطعم بيلاذر روم، أنا بأقدم اعتذاري الخالص عن الإزعاج ده. نوران بوضوح اتعدت حدودها—»

​«اسكت.»

​كريم ما عليش صوته. ما كانش محتاج يعليه.

​بوق تامر اتقفل فوراً.

​وراء كريم، مراته، ليلى، وشها اصفَرّ تحت هدوئها وزينتها. كانت بتبصلي بالطريقة اللي بتبص بيها لحد حذروك منه طول حياتك وأخيراً قابلته.

​«كريم،» قالت بهدوء. «مش هنا.»

​«هنا بالظبط المكان اللي المفروض يكون فيه،» رد عليها من غير ما يبصلها.

​رئيس الديوان بتاعه — طويل، الشيب مالي جنبات شعره، واقف قريب جداً من كتف كريم لدرجة أنه كان كأنه ضله — مال عليه وهمس بحاجة ما قدرتش أسمعها. كريم شاور بإيده مشاه من غير ما يلتفت.

​«وليد،» كريم قال. «بص في عينيها.»

​الراجل — وليد — بص.

​وأيا كان اللي شافه خلاه يخرج زفير كأنه كان كاتم نفسه بقاله أربعين سنة.

​«يا الله،» قال بصوت واطي. «دي عندها نفس عينيها.»

​«عندها إيه؟» سألت. صوته ما كانش ثابت زي ما كنت عايزة.

​محدش جاوب.

​المطعم كان بقى ساكت تماماً دلوقتي. الجرسونات متجمدين في نص الخطوة. جرسون المشروبات واقف بإزازة متفوقة كان ناسي إنه ماسكها. حتى شباك المطبخ اللي بيعدي منه الأكل، اللي دايماً زحمة ودوشة وبخار، بقى هادي، والطباخين ملزوقين في الإزاز عشان يتفرجوا.

​بعدين الأبواب الأمامية اتفتحت تاني، وصوت جديد دخل القاعة.

​«كريم! كريم، أرچوك — أيا كان اللي حصل، إحنا نقدر نصلحه.»

​أحمد الوجيه. مالك مجموعة الوجيه للفنادق والمطاعم. كنت شفته مرتين بالظبط في سنتين، وفي المرتين كان بيتحرك في المطعم زي ظاهرة جوية محدش مسموح له يسألها.

​الليلة دي، كان شكله زي راجل بيتفرج على ثروته وهي بتخرج من الباب.

​«مستر رحال، أنا بوعدك، أيا كان الإساءة اللي حصلت الليلة دي هتنتهي فوراً.»

​«محدش أهانني يا أحمد.» عينين كريم فضلت عليا. «البنت الصغيرة دي هي الوحيدة اللي…»

​أحمد طفش عينيه. «أهانتك؟»

​«بلّغتني.» فك كريم اتشد. «فيه فرق واضح إنت عمرك ما تعلمته.»

​نظرة أحمد اتجهت ناحيتي كأنه بيلحظ بقعة على السجادة.

​«دي جرسونة،» قال. «أنا هخليها تمشي—»

​«لو مشيتها،» كريم قال، «أنا هآخد الـ 70 مليون دولار بتوعي والتلات مشاريع الجايين اللي بفكر فيهم وهأمشي.»

​درجة حرارة القاعة كأنها نزلت عشر درجات.

​ابتسامة أحمد فضلت ملزوقة على وشه، بس عينيه كانت غرقانة في البانييك والرعب.

​«أكيد. أكيد، أي حاجة تحتاجها.»

​كريم أخيراً اتلف بالكامل ناحيتي، مجهل أحمد وتامر كأنهم قطعة أثاث اتغير مكانها من غير إذن منه.

​«يا آنسة بركات. إنتِ تعرفي الصفقة دي كانت علشان إيه؟»

​«لأ يا فندم.»

​«ملجأ السلام.» قال الاسم كأنه مكلفه حاجة غالية. «مبنى قديم في حي مصر القديمة. بقاله أكثر من مية سنة. كان ملجأ للمحتاجين، والغرباء، وأي حد مالوش مكان يروح فيه.»

​بطني اتشدت، مع إني ما كنتش عارفة ليه لحد دلوقتي.

​«شركة مستر أحمد ناويين يهدوه،» كريم كمل. «عمارات سكنية فاخرة. سبعين مليون دولار. وأنا كنت هكون المستثمر الرئيسي بتاعهم.»

​«كنت،» كرتت الكلمة.

​«أنا مشيت الليلة دي عشان العرض كان بيوصف تاريخ المبنى إنه ‘عقبة أمام الاستفادة القصوى من قيمة الأرض.’» صوته بقى حاد في الكلمات الأخيرة، وكان بيقتبسهم كأنهم سابوا طعم مر في بوقه. «أحد عشر يوماً من حياتي حصلوا جوة العقبة دي يا آنسة بركات.»

​تامر طلع صوت صغير، كأنه كان عايز يتكلم وبعدين غير رأيه.

​فضلت بصة لكريم.

​«إيه اللي حصل هناك؟»

​ما جاوبش في ساعتها. وراه، ليلى كانت بقت هادية جداً، بتبص لجوزها بملامح مش قادرة أقرأها — مش غيرة، ولا خوف. حاجة أقرب للحزن الشديد اللي كانت شايلاها معاه من زمان.

​«كان عندي خمستاشر سنة،» كريم قال أخيراً. «جيت المديمة دي ومعاييش أي حاجة. مفيش أهل هنا. ولا بعرف أتكلم. واحد سرقني على بعد شارعين من الموقف وسابني بنزف في حارة ورا المبنى ده.»

​وقف. بلع ريقه.

​«بنت صغيرة لقيتني. ما كانش المفروض تساعدني — الملجأ كان ليه قوانين، وأنا كنت صغير، ومن غير أوراق، ومسؤولية محدش عايزها. هي خبتني بالرغم من ده. أحد عشر يوماً. أكلتني. وعلمتني كلام كفاية عشان أعيش وأتسلك. وعمرها ما حستتني إني عبء عليها.»

​زوري اتشد جداً.

​«كان اسمها إيه؟» سألت، مع إني كنت عارفة شكل الإجابة اللي بتتكون.

​«أنا عمري ما عرفت اسمها الأخير،» كريم قال. «غير إن كل الناس في الملجأ كانوا بينادوها ماجي.»

​الصوت اللي طلع مني ما كانش كلمة بجد.

​اسم تيتا كان مارجريت.

​وكل الناس اللي بيحبوها كانوا بينادوها ماجي.

​عينين كريم كانت بتدور في وشي، وشفت آخر شك عنده بيختفي.

​«هي فين دلوقتي؟» سأل. «أنا عايز أشكرها. بشكل يليق بيها. بعد تلاتة وأربعين سنة.»

​حسيت الأرض بتميل بيا شوية.

​ورايا، سمعت تامر بياخد نفس، وهو حاسس — وبصح — إن أيا كان اللي هيحصل بعد كده، هيكون أسوأ عليه من أي حاجة حصلت قبل كده.

​«مستر رحال،» قلت بهدوء. «ستي توفت من تلات سنين.»

​كريم رحال، أكتر راجل مخيف في البلد كلها، الراجل اللي لسه مهدد يمسح سبعين مليون دولار بجملة واحدة، وقف متجمد تماماً.

​وبعدين، ولأول مرة الليلة دي، هدوءه وثباته اتكسروا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *