قصتي

​ولا كلمة قبيحة اتقالت جهرة.
​أشجان بكل بساطة خصصت لي أسبوع واحد هادي في بيتي، وكانت مستنية مني أشكره كمان إني جيت في بالهم وإني متسجلة في الجدول.
​اللي هي ولا إبراهيم افتكروه، إن الشالية ده ما كانش طول عمره شبه البيوت اللي بتطلع في مجلات الديكور.
​لما أنا وإسماعيل اشتريناه من واحد وتلاتين سنة، كانت ريحته خشب مبلول، وعفن، وريحة غزل وصنارات قديمة.
​باب السلك كان مخلوع ومريح على الأرض.
​السقف كان بينزل مية كل ما تشتي مطرة شديدة على البحر.
​المشاية اللي طالعة على الشاطئ كانت مايلة لدرجة إن جارنا كان بيبهزر ويقول إن جاله دوار بحر وهو باصص عليها.
​ما كانش فيه تكييفات.
​ولا كراسي بحر شيك.
​ولا إضاءة ومصابيح ديكور.
​ولا مطبخ متقفل ومودرن.
​مجرد بيت أبيض تعبان، وجراج مائل، وهيش، وشريط رملة صغير البحر قدامه بيبقى شبه الفضة كل يوم بالليل.
​إسماعيل وقع في غرامه من أول ثانية.
​أنا ساعتها افتكرته اتجنن.
​قلتله وأنا عمالة أهش الناموس من على رجلي: “احنا بالعافية سادين أقساط شقتنا اللي في القاهرة!”
​إسماعيل ضحك بس وقال لي:
​”الأماكن المكركبة دي بتبقى محتاجة بس حد نشف دماغه ويستحمل يقعد فيها.”
​وفعلاً قعدنا.
​وضحينا.
​كنا بنعمل أكلنا في البيت وبنآخد معانا سندوتشات بدل ما نأكل في مطاعم.
​حرمنا نفسنا من أي فسح.
​إسماعيل كان بياخد نبطشيات زيادة في المصنع.
​وأنا كنت بقضي الإجازات أعمل حسابات لمحل حدايد وبويات في مرسى مطروح.
​لما السقف كان محتاج يتغير، استلفنا فلوس.
​ولما سخان المية ضرب في إجازة عيد العمال، غيرناه بإيدينا.
​وفي صيف من الأيام الحر جداً، أنا وإسماعيل دهنا البيت كله من برة بإيدينا عشان المؤهلين والسباكين والنقاشين كانوا برة ميزانيتنا تماماً.
​الشالية ده ما كانش ورث أو رفاهية نازلة علينا من السماء.
​ده كان تعب وشقا وعرق، بس قدام البحر.
​أنا اسمي ماريان الألفي.
​عندي واحد وسبعين سنة.
​أرملة.
​ولحد يوم السبت الصبح ده، كنت فاكرة إن عيلتي فاهمة حاجة واحدة وبسيطة جداً.
​إن الشالية ده ملكي أنا.
​مش عشان عايزة أمنع عيلتي منه.
​أنا كنت بعشق وجود إبراهيم معايا.
​كنت بحب أسمع ضحك الناس في التراس.
​كنت بحب أشوف حد ماشي على المشاية ماسك مجين قهوة.
​بس بعد عقود من الفلوس والتعب والذكريات والقلق والحب اللي اتصبوا في المكان ده، البيت بيبقى أكثر من مجرد عقار.
​بيبقى حتة من عمرك.
​أشجان عمرها ما شافت النسخة دي من الشالية.
​لما اتجوزت إبراهيم، كان السقف خلاص اتصلح وما بينزلش مية.
​والمشاية كانت اتعادت من جديد.
​والدولاب والمطبخ مدهونين طازة.
​إسماعيل وأنا كنا غيرنا الموكيت البرتقالي المقرف ده بباركيه خشب أبيض بعد تلات رحلات للرويعي وخناقة شهيرة في شارع النجارة.
​أشجان عرفت الشالية بعد ما كل الشقا والتعب ده خلص.
​يمكن دي كانت جزء من المشكلة.
​الناس بيفهموا التعب لما بيشوفوه بيحصل قدامهم.
​لكن لما بيجوا بعد ما كل حاجة تجهز، أوقات بيفتكروا إن الحاجات الحلوة دي طلعت لوحدها كده من الأرض.
​في الأول، أشجان كانت ذوق.
​كانت تقول على الشالية “كيوت أوي”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *