قصتي

​كانت تجيب معاها صينية بسبوسة وهي جاية.
​تصور التراس، والممشى الحجر، والبحر، والسمكة الخشب الصغيرة اللي إسماعيل كان حافرها جنب الباب الخلفي.
​بعدين أسئلتها بدأت تتغير بالتدريج.
​”أنتِ لسة بتيجي هنا لوحدك؟”
​”هو أنتِ مش بتخافي في النوات والمطرة؟”
​”مش حاسة إن المكان ده بقى حمل كبير وتقيل على واحدة لوحدها؟”
​كنت دايماً ببرد بمنتهى الأدب.
​بس بعد ما إسماعيل اتوفى، أشجان بدأت تستخدم كلمة تانية.
​”احنا”.
​”احنا المفروض نجدد الحمام اللي فوق.”
​”احنا محتاجين نجيب طقم جنينة أحسن.”
​”احنا لازم نعمل جدول للصيف عشان محدش يجي في ميعاد التاني.”
​في الأول طنشت.
​الحزن كان هاددني ومخليني تعبانة عن إني أصلح كل افتراض صغير.
​وإبراهيم كان ابني الوحيد.
​موت إسماعيل كان مأثر فيه أوي هو كمان.
​عيط في العزا.
​وكان ماسك إيدي في المدافن.
​والربيع اللي بعده، وقف لوحده على مشاية الشالية ييجي ساعة كاملة من غير ما ينطق بكلمة.
​فعلشان كده لما أشجان بدأت تنظم وتوضب، أقنعت نفسي إنها بتحاول تساعد.
​غيرت فوط المطبخ.
​جابت سبتات تخزين شكل بعضها.
​وحطت استيكرات بأسامي الحاجات على أرفف الخزين.
​أنا ما كانش نفسي خالص في استيكرات على أرفف خزينتي.
​بس عديتها.
​بعدين جه دور المفتاح الاحتياطي.
​”عشان الطوارئ بس،” أشجان قالت لي.
​إسماعيل كان دايماً يقول لي إنك لما تدي حد مفتاح بيتك، كأنك بتديه وعد.
​ما بتديهوش غير لحد فاهم القيمة بتاعته كويس.
​بس إبراهيم كان ابني.
​فديت المفتاح ليه هو.
​مش لأشجان.
​لإبراهيم.
​لسة فاكرة وأنا بحطه في كف إيده في التراس.
​”ده للحالات الطارئة يا إبراهيم.”
​باس خدي وقال لي: “أكيد يا أمي.”
​الكلام ده كان من تلات سنين.
​وواضح كده إن خلال التلات سنين دول، كلمة “طوارئ بس” تحولت بالراحة ومن غير دوشة لـ “كل واحد ياخد أسبوع إجازة”.
​أشجان كان عندها قدرة عجيبة إنها تخلي القرارات اللي بتاخدها في ملكية غيرها تبان كأنها قمة العقل والمنطق.
​هم مش بيستولوا على الشالية بتاعي.
​هم بس “بيعدلوا ويقسموا بالحق”.

​هم مش بيعزموا ناس غريبة في بيتي.
​هم بس “بيخلوا الشالية شغال ومفتوح”.
​هم مش بيزقوني برة.
​هم بس “بيساعدوني أستمتع بالتقاعد وراحتي”.
​السبت ده الصيف اللي فات، أشجان وإبراهيم جم بعد الساعة عشرة الصبح بشوية.
​كنت لسة مخرجة صينية كيكة بلوبيري من الفرن.
​والشبابيك كانت مفتوحة.
​وهوا البحر الساقع كان بيهز الستاير اللي فوق الحوض بالراحة.
​كنت فرحانة بجد لما شفتهم.
​إبراهيم باس رأسي وقال: “ريحته تحفة يا أمي.”
​أشجان حطت شنطة جلد كبيرة على كرسي المطبخ.
​وبعدين كرت منها.
​الأول طلعت فايل.
​بعدين بكرة سوليتيب.
​وفِي الآخر، النتيجة المطبوعة.
​وفي خلال دقائق، كنت واقفة في مطبخي وببص على جدول مدي لكل الناس صيف أحسن وأطول في الشالية بتاعي أكتر ما مديلي أنا شخصياً.
​أشجان ابتسمت.
​”أنتِ ليكي سبتمبر.”
​بصيت للنتيجة لآخر مرة.
​أبوها وأمها.
​صحابها.
​صحاب إبراهيم.
​ناس ما أعرفهمش أصلاً.
​وبعدين اسمي أنا.
​تحت خالص.
​بالرصاص.
​كان ممكن أزعق وأتخانق.
​كان ممكن أطلب من أشجان تمسح كل اسم مكتوب.
​كان ممكن أسأل إبراهيم هو ليه واقف ساكت كده جنب الشباك ومراته بتوزع وتسكّن ناس غريبة في الشالية اللي أبوه وأمه قضوا عقود يبنوه حيطة حيطة.
​بدل ده كله، مسكت أطراف السوليتيب الأربعة وقشرتهم بهدوء شديد.
​أشجان كشرت وقالت: “أنتِ بتعملي إيه؟”
​طبقت النتيجة مرة.
​وبعدين مرة كمان.
​وحطيتها في شنطتي.
​”ماما؟” إبراهيم أخيراً نطق.
​مسكت مفاتيح عربيتي.
​أشجان كانت تبصلي وهي مصدومة.
​”ماريان، أنتِ رايحة فين؟”
​ابتسمت قلت لها: “رايحة أظبط شوية حاجات كده.”
​ومشيت وخرجت برة.
​عشان أشجان كانت غلطانة غلطة كبيرة جداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *