قصتي
على الساعة واحدة وتلت، كانت عربيتهم واصلة. وأشجان معاه طبعاً.
أول ما قربوا من التراس وقفوا مصدومين لما شافوا الكالون الجديد.
”أنتِ غيرتي الترباس والكالون؟” أشجان سألت.
“اه.”
إبراهيم بصلي بذهول: “أنتِ قفلتي البيت في وشي يا أمي؟”
“لا يا إبراهيم.. أنا بس بطلت أتعامل كأنك صاحب المكان.”
طلعت ورق الإيجار من شنطتي: “أربعة وعشرين ألف دولار؟” (حوالي مليون و200 ألف جنيه!).
وش أشجان اتخطف. وإبراهيم بص لها.. ومن اللقطة دي فهمت إن إبراهيم كان عارف جزء من الموضوع، مش كله.
قلت لأشجان: “قوليله.. قولي لجوزك ليه ناس غريبة كانت بتدفعلك عشان تقعد في الشالية بتاعي.”
إبراهيم لف لها: “أشجان؟”
ردت ببرود ومن غير أي كسوف: “الفروس دي كانت رايحة لمصاريف البيت والشالية! الصيانة والضرائب والتوضيبات!”
”أنتِ عمرك ما دفعتي جنيه في ضرائب العقار بتاعي!”
“احنا اللي جبنا طقم الكراسي بتاع التراس!”
“طقم الكراسي كان بـ 40 ألف جنيه!”
“لا، كان بـ 50 ألف!”
كنت مبهورة بالبجاحة! لحد ما أشجان قالت الجملة اللي تحت كل الليلة دي:
“إبراهيم ابنك الوحيد.. وكده كده الشالية ده هيبقى بتاعه في يوم من الأيام!”
سكوت تام.
هي دي بقى الحقيقة. مش الحجوزات، ولا الفلوس، ولا التزوير.. العقيدة اللي جوة دماغهم: كده كده المكان ده بتاعنا.
بصيت لإبراهيم، ما قدرش يحط عينه في عيني.
“أنت مقتنع بكده يا إبراهيم؟”
“يا أمي…”
“أنتوا اعتبرتوني ميتة خلاص وقسمتوا ورثي وأنا لسة عايشة؟”
أشجان حاولت تعترض، بس إبراهيم بصلي وأخيراً نطق: “فيه حاجات تانية كمان يا أمي..”
“عارفة.”
طلعت ورق التمويل والقرض.. وش إبراهيم جاب ألوان.
“كنت بياخد قرض بإيه وبضمان إيه؟”
بلع ريقه: “أنا ممكن أشرحلك..”
“اتفضل.. ادخلوا واشرحوا.”
ولأول مرة في حياته، ابني دخل الشالية بتاعي كأنه ضيف غير مرغوب فيه.
قعدنا على ترابيزة المطبخ. إبراهيم اعترف بكل حاجة. شغله خسر عميل كبير، وبعدين عميل تاني. اتداين ورهن شقته في القاهرة، واستخدم كروت الائتمان، ودخل في مشروع عقاري في التجمع الخامس واستثمر فيه وكل فلوسه اتعطلت. أهل أشجان ساعدوه مرة وبعدين رفضوا يديقوه جنيه تاني.
”عليك ديون كام يا إبراهيم؟”
نزل رأسه للأرض: “حوالي 10 مليون جنيه..”
غمضت عيني. أشجان اتدخلت بسرعة: “مش كلها ديون مباشرة!”
“الجملة دي معناها إن أغلبها ديون!”
“احنا كان عندنا خطة!”
بصيت لها: “وكانت خطتكم هي بيتي؟”
إبراهيم اعترف إنهم فكروا ياخدوا قرض بضمان الشالية، ودعوا إن الموضوع ما كملش.
“بس كنتوا هتستلفوا بضمان مكان ما تملكهوش!”
“أنا افتكرت التوكيل القديم يسمح بكده..”
“افتكرت؟!”
كان شكله مكسور تماماً: “يا أمي أنا كنت غرقان ومحتاج أي قشة!”
لأول مرة كلامه كان طالع صادق.. مش مقبول، بس صادق.
وفجأة أشجان قالت: “عمي إسماعيل الله يرحمه كان هيساعدنا لو كان عايش!”
كل عضلة في جسمي اتشدت: “إياكي تستخدمي اسم جوزي الله يرحمه عشان تبرري سرقتك ليا!”
سكتت.
“أنتِ عرفتي إسماعيل وهو لسة بيطلع معاكي ورحلات وشاليهات.. ما شفتيهوش وهو عيان، ما قعدتيش جنبه وهو خايف يسيبني لوحدي وضئيفة في الدنيا دي!”
وبعدين بصيت لإبراهيم: “بس أنت شفته يا إبراهيم..”
الكلمة دي قطعت قلبه، شفتها في عينه.
وفجأة لمحت درج المكتب القديم بتاع إسماعيل.. الدرج المفتوح سنة. أنا عمري ما بسيبه كده.
الدرج ده فيه ورق التأمين، وضرائب الشالية، وورق الملكية. الغلاف اللي فيه أوراق الشالية الأصلية مش موجود!
لفيت بالراحة: “مين فتح الدرج ده؟”
محدش رد.
“إبراهيم؟”
وشه فضحه.
أشجان وقفت: “كنا محتاجين صور الأوراق!”
“أنتوا كسرتوا درج مكتب أبوك؟!”
“ما كانش كسر واقتحام يعني!”
شاورت على الترباس النحاس المقروض: “أومال تسمي ده إيه؟!”
في اللحظة دي تليفوني رن. أستاذة ماجدة المحامية.
“ماريان.. أنا لقيت حاجة ثانية في مكتب السمسار والوسيط العقاري.”
“سمسار إيه؟”
“فيه حد كلم سمسار من تلات أسابيع عشان يجهز الشالية للبيع من تحت لترابيزه ومن غير إعلان!”
إيدي بدأت تترعش: “مين كلم السمسار؟”
السمسار كاتب في ملاحظاته: المالكة ست كبيرة، أرملة جديد، وغالباً هترضى تبيع وتصفي أملاكها على الخريف.
أشجان غمضت عينها على الترابيزة.. المشهد كان كفاية.
بس ماجدة قالتها برضه: “مرات ابنك هي اللي كلمته يا ماريان.”
كنت فاكرة إن الخيانة طعمها نار وزعاق.. لكن الخيانة الحقيقية طعمها تلج.
وقفت في الشالية اللي بنيته أنا وإسماعيل طوبة طوبة، وبصيت لشخصين كانوا بيتكلموا إزاي يحولوا حياتي لفلوس.
أشجان دافعت عن نفسها: “أنا كنت بس بتستعلم عن السعر!”