قصتي

“لا يا أمي.. كانت فكرتي أنا.”
​الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة ثانية.
“ليه يا إبراهيم؟”
“أشجان كانت عايزة تديكي أسبوعين في أغسطس.. بس أنا غيرتها لسبتمبر.. عشان بابا اتوفى في سبتمبر، وأنتِ دايماً بتقولي بتحبي البحر في سبتمبر عشان بيبقى هادي بعد الزحمة.. افتكرت إني بريحك.”
​فيه أعذار بتخلي التصرف مفهوم بس ما بتخليهوش مقبول.
“كنت المفروض تعمل إيه يا إبراهيم؟”
“كنت المفروض أسألك أنتِ الأول.”
​الصيف ده كان صعب..
إبراهيم رجع الفلوس للناس، باع حاجته، وشقتهم اتعرضت للبيع وأهل أشجان رفعوا قضاياهم عليهم.. ومشاكلهم بقت بتاعتهم هم بس.
​أنا عملت وقف وحماية للشالية مع المحامية.. محدش يلمس البيت طول ما أنا حية وبكامل عقلي.
وغيرت وصيتي.. البيت مش هيتورت لإبراهيم بشكل مباشر ومطلق، هيفضل تحت إدارة ورعاية عشان محدش يبيعه أو يسيل فلوسه فوراً.
​إبراهيم ما أخدش مفتاح جديد الصيف ده.. الثقة محتاجة وقت تتأكل ووقت أطول عشان ترجع.
أشجان بعدت.. وجوازهم كان على المحك، بس أنا ماليش دعوة.
​وأنا؟ قعدت في الشالية الصيف كله!
يونيو كان بتاعي.
يوليو كان بتاعي.
وأغسطس كان بتاعي.
​نزلت المية الصبح بدري في أول يوليو وأنا عندي 71 سنة.. المية كانت ساقعة لدرجة إني شهقت وضحكت من قلبي.
وفي 4 يوليو، علقت علم مصر القديم بتاع إسماعيل في التراس، وعزمت دينا موظفة السجل العقاري وجوزها على غدا وأكلنا سوا.
​وفي أغسطس، جات نوة شديدة على الساحل.. الريح كانت بتهز الشبابيك والبرق بينور البحر. لأول مرة من يوم وفاة إسماعيل أحس بإني خايفة، بس مش عاجزة.
الساعة واحدة بعد نص الليل، لقيت عربية إبراهيم داخلة في المطر.
نزل يجري على التراس وهو مبلول: “ربطتي مشاية البحر كويس؟ بابا كان دايماً بيربطها بحبلين في النوات اللي جاية من الاتجاه ده!”
أنا كنت نسيت.. بس إبراهيم ما نسيش.
أخد جاكيت أبوه القديم ونزل في المطر 20 دقيقة يربط المشاية وأنا ماسكة له الكشاف من التراس.
​لما دخل، عملت له شاي.. وبص للمج المكسور بتاع أبوه وقال: “أسف إني استخدمت المج ده الصبحية دي.”
ابتسمت: “دي ما كانتش أكبر غلطة عملتها!”
ضحك وضحكت معاه.. وفيه حاجة اتغيرت بيننا. مش اتصلحت، بس اتغيرت.
​وجي سبتمبر..
يوم 8 سبتمبر.. الأسبوع بتاعي حسب جدول أشجان القديم.
صحيت قبل الشروق، لبست بلوفر إسماعيل الرمادي، وأخدت القهوة وخرجت التراس.
البحر كان هادي وزي الفل.. مفيش موتوسيكلات مية ولا زعيق ولا أغاني.
الشمس طلعت، والبحر اتحول من فضة لأزرق لدهب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *