اول مرة حماتي قالتلي انتي غلطة
— إياك حد فيكم يقرب منها أو يمسها بكلمة!
صوته الهادي الحاسم جمّدهم في مكانهم.
حكيتله قدامهم كل حاجة عرفتها بالظبط من غير ما أزود حرف. أحمد كان بيسمع وهو ساكت تماماً، ولما خلصت، بص لأبوه وأمه وأخوه كأنه شايف ناس أغراب أول مرة يتعرف عليهم.
— انتوا بجد.. بجد كنتم مستعدين تدمروا ندى وتأذوها عشان الفلوس؟!
محدش نطق ولا فتح بوقه.
— والوقت جايين تلوموا مريم عشان كشفت الوساخة اللي كنتم بتعملوها؟!
سيف قال بصوت واطي ومكسور:
— يا أحمد.. أنا أخوك، أقف جنبي وحلها معايا!
أحمد هز رأسه بنفي:
— لا يا سيف.. لحد هنا والخيط اتَقطع.
تيسير رجعت لتاني مرة تلعب على نغمة العاطفة:
— إحنا أهلك يا أحمد! دمك ولحمك!
— أهلي هما مريم واللي في بطنها وبس.
الجملة دي كانت بمثابة ضلفة باب اتقفلت في وشهم للابد، باب كان موارب بقاله سنين.
المباحث والنيابة كملوا تحقيق في الواقعتين. ندى سلمت كل الأوراق والدلائل اللي جمعتها بمساعدة محامي ومتحري خاص. وأنا شهدت باللي شفته بعيني فقط: كيس الفوار اللي اتفضى في الكباية، صور سيف، وعبوة المبيد الزراعي. ما زوّدت كلمة ولا نقصت كلمة.
الموضوع أخد وقت طويل في المحاكم.
ندى أخدت الطلاق، وحكمولها بتعويض كبير عن الضرر المادي والنفسي المثبت في القضايا، وطلبت عدم تعرض ليها ولعيلتها.
حمايا وحماتي اضطروا يبيعوا قطعة أرض صغيرة وشوية حاجات من بقايا المحل عشان يدفعوا مصاريف المحامين والديون اللي اتكومت عليهم. سيف خسر الست اللي باع ندى عشانها، والمصنع اللي كان شغال فيه كرشوه لما عرفوا بحوار النيابة والقضايا.
بس أشد حاجة وجعتهم بجد.. إنهم اتسابوا لوحدهم كأنهم مقطوعين من شجرة.
أحمد عمل بلوك لأرقامهم كلها، غيرنا مكان شقتنا، وطلب نقل لفرع شغل تاني خالص. وأنا كمان طلبت نقل لمركز مراقبة تاني عشان ما ألمحش حد فيهم بالصدفة.
لعدة أسابيع، كان بيجيلني إحساس بالذنب.. كنت بسأل نفسي: هل كان المفروض أصر أكتر؟ أنزل أبلغ البوليس بدري؟ أحمي ندى بطريقة ثانية؟
بس ندى هي اللي شالت عني الهم ده لما كلمتني في التليفون.
— مريم، انتِ عملتي أكتر من اللي أي حد تاني كان ممكن يعمله. المرة الأولى أنقذتيني من غير ما تعرفي، والمرة الثانية جيتي وتحذيرتيني. الباقي ده كله كان قراري أنا وكان لازم أتاخده بنفسي.