ساكتة ليه 1
“متقلقش … خد نفسك بس بهدوء معايا.”
لم يتوقف سامر وقتها، بل تابع طريقه دون أن يعير المشهد اهتمامًا خاصًا؛ فمشاهد كهذه يراها كل يوم في المستشفى. لكنه، دون قصد، سأل الممرضة المشرفة “خديجة” التي كانت تسير بجانبه بينما يراجعان تقرير حالة أخرى:
“شكلها لسه بادئة.”
ردت خديجة عليه بعملية : “سمر سراج يا دكتور. متدربة جديدة، جت من أسبوع. بنت مجتهدة جدًا مع إن ظروفها المادية بسيطة… اتقبلت هنا بمنحة بعد ما تفوقت في الكلية.”
“طيب ربنا يوفقها.” رد بعابر، وأكمل طريقه دون أن يلتفت مرة أخرى.
—
بعد ساعتين من رؤيته لها ، وأثناء مروره على غرفة المريض المسنّ نفسه للاطمئنان عليه بعد العملية الصغيرة التي أجراها له، وجد سمر تجلس بجانب السرير تتحدث معه بينما هو يضحك رغم تعبه الواضح. توقف سامر عند الباب لحظة، لم يكن يقصد المراقبة، لكن شيئًا في المشهد جعله يبطئ خطاه.
كانت تمسك بيد المريض وتقول له: “يلا يا عمّي، بكرة تكون ماشي زي الفل، وهطلب منك نعمل سباق”
القائمة
المحتوي
بحث عن
ضحك المريض ضحكة متعبة لكنها صادقة.
ابتسم سامر بلا قصد، ابتسامة خفيفة لم يشعر بها إلا بعد أن غادر الغرفة. لم يكن الأمر انبهارًا ولا شيئًا كبيرًا، مجرد ملاحظة صغيرة عابرة سجّلها عقله دون أن يوليها اهتمامًا: أن هذه المتدربة الجديدة تحمل شيئًا مختلفًا في تعاملها مع المرضى، دفئًا لا يُعلَّم في الكليات.
وقد نسي الأمر تقريبًا وسط زحمة يومه.
—
في المساء، وبينما كان سامر يراجع ملفات المرضى في مكتبه بالمنزل، دخلت والدته “نسرين” حاملة صينية شاي كعادتها.
“عامل إيه يا سامر؟ شكلك تعبان شوية النهاردة.”
“تمام يا أمي، يوم شغل طويل بس.” رد وهو لا يرفع عينيه عن الأوراق.
جلست نسرين تشرب شايها بصمت، تراقب ابنها كما تفعل دائمًا. لم تلحظ يومها شيئًا مختلفًا، فابنها كان كما هو، غارقًا في عمله، بعيدًا عن أي شيء آخر. لكنها، كأم، كانت تدرك أن هذا الروتين لن يدوم إلى الأبد، وأن يومًا ما سيأتي بشيء يهزّ سكون حياته.
لم تكن تعلم أن بذرة ذلك اليوم قد زُرعت بالفعل، وإن كانت لا تزال صغيرة جدًا لدرجة أن سامر نفسه لم يشعر بوجودها بعد.
## الفصل الثاني
مرّ أسبوع كامل على تلك الملاحظة العابرة في قسم الطوارئ، ولم يكن سامر يظن أنها تركت أثرًا يُذكر. كانت حياته لا تزال تسير على نفس الإيقاع: عملية، جولة، ملفات، بيت فارغ. لم يتغيّر شيء ظاهريًا، لكن شيئًا خفيفًا جدًا، لا يكاد يُلاحظ، بدأ يتسلل إلى روتينه دون أن يشعر.