ساكتة ليه 1
“طبعًا يا بابا، شغلي هو الأول دايمًا.” رد سامر بسرعة، محاولًا تجنب أي أسئلة إضافية.
نظرت نسرين إلى ابنها بعين الأم التي تعرف أن هناك شيئًا أكبر من “الشغل” يدور في داخله، لكنها آثرت الصمت هذه المرة، منتظرة أن يأتي الوقت المناسب.
—
عاد سامر إلى المستشفى لحالة طارئة وفي طريقه لمكتبه، سمع صوت جلبة في أحد الأقسام. اقترب فوجد سمر تتعرض لموقف صعب مع أحد أقارب مريض متوفٍ حديثًا، رجل غاضب يصرخ فيها ويحمّلها مسؤولية لا ذنب لها فيها:
“إنتِ اللي قصّرتي معاه! إنتِ متدربة ملكيش خبرة أصلاً، إزاي يسيبوكي تتعاملي مع حالته!”
كانت سمر تحاول أن تشرح بهدوء رغم أن الدموع تكاد تخنقها: “أنا عملت كل اللي المفروض أعمله يا فندم، وأبلغت الدكتور فور ما…”
تدخل سامر فورًا بصوت حازم: “أستاذ، أنا الدكتور المسؤول عن الحالة، وأنا اللي هرد على أي استفسار عندك، مش الممرضة. تعالى مكتبي وهوضحلك كل حاجة بالتفصيل.”
أخذ الرجل بعيدًا، وترك سمر تحاول استعادة توازنها. بعد نصف ساعة، عاد إليها بعد أن هدّأ الرجل وأوضح له الموقف الطبي كاملًا.
“إنتِ كويسة؟” سألها بقلق واضح لم يخفِه هذه المرة.
مسحت دمعة كانت قد أفلتت: “أيوه يا دكتور، بس خفت شوية.”
“متخافيش، ده مش ذنبك في حاجة. الناس بتتعامل بعصبية وقت الحزن، ده طبيعي، بس إنتِ عملتي شغلك صح.” ثم أضاف بصوت أهدأ: “أنا موجود، متقلقيش.”
كانت تلك الكلمة الأخيرة، “أنا موجود”، أكبر من أن تمر مرور الكرام على قلب سمر. شعرت للحظة أنها ليست وحدها في معركتها، شعور لم تختبره منذ فترة طويلة.
## الفصل الرابع
مرّ شهر كامل منذ حادثة الرجل الغاضب، وأصبحت العلاقة بين سامر وسمر أعمق مما يمكن لأي منهما إنكاره، وإن ظلت في إطار “الصداقة المهنية” ظاهريًا. صار سامر ينتظر لحظات وجودها في نفس القسم، وصارت هي تجد نفسها تبتسم بمجرد سماع صوته في الممر.
لكن ما بينهما لم يكن قد أخذ اسمًا بعد، وكلاهما كان يخشى أن يكون أول من يكسر هذا الصمت.
—
في ذلك المساء، أُقيم حفل خيري صغير في بهو المستشفى بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيسه، حضره أغلب الكادر الطبي والإداري، من بينهم عائلة السراجي بأكملها. كانت سمر من ضمن الطاقم المكلف بالتنظيم، ترتدي فستانًا بسيطًا أنيقًا اقترضته من زميلة لها، إذ لم تكن ميزانيتها تسمح بشراء ملابس مناسبة لمناسبات كهذه.