ساكتة ليه 1

أما سمر، فكانت تخوض معركتها الخاصة. أول أسابيعها في مستشفى بحجم “السراجي” لم تكن سهلة؛ نوبات طويلة، ممرضات أقدم منها ينظرن إليها بحذر، ومريض أو اثنان لم يتقبلا أن “بنت لسه بتتدرب” تتعامل مع حالتهم. لكنها كانت تكابر، وتبتسم، وتكمل يومها بصبر من تعرف أنها لا تملك رفاهية الاستسلام.

في ذلك الصباح، كانت خديجة تراجع معها قائمة المرضى:

“يا سمر، فيه حالة في غرفة ١٢، سيدة كبيرة، هتعمل عملية بكرة، وعايزة حد يطمّنها. روحي اقعدي معاها شوية.”

“حاضر يا أستاذة خديجة.”

دخلت سمر الغرفة، فوجدت سيدة في الستينيات تجلس على السرير، وجهها يحمل قلقًا واضحًا. جلست بجانبها بابتسامة دافئة:

“صباح الخير يا حاجة، عاملة إيه؟”

نظرت السيدة إليها بعينين متعبتين: “خايفة يا بنتي… أول مرة أعمل عملية في حياتي.”

أمسكت سمر بيدها بلطف: “طبيعي إنك تخافي، بس أنا هقولك حاجة، الدكتور اللي هيعملها إيده… مفيش زيها. الناس بتيجي من محافظات تانية عشان بس تتعالج على إيده.”

“مين ده؟”

“دكتور سامر السراجي.”

ابتسمت السيدة قليلًا، وكأن ذكر الاسم وحده منح راحة: “سمعت عنه كويس… ربنا يخليه.”

جلست سمر معها تتحدث، تسمعها، تشاركها ضحكة خفيفة هنا وهناك، حتى هدأ روع السيدة تمامًا. لم تلحظ أن الدكتور سامر كان يمر في الممر، وتوقف عند الباب لثوانٍ معدودة حين سمع اسمه يُذكر بهذا الشكل. لم يدخل، ولم يعلّق، لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا وهو يكمل طريقه، ابتسامة لم يشعر بها هو نفسه إلا بعد أن ابتعد خطوات.

بعد ساعات، وأثناء التحضير لحالة طارئة معقدة، وجد سامر نفسه يعمل مباشرة مع فريق يضم سمر ضمن المساعدين. كانت تلك أول مرة تقترب فيها من عالمه المهني الحقيقي. راقبته وهو يعطي أوامره بحزم وثقة، صوته هادئ رغم الموقف الحرج، يده لا ترتجف، وعقله يعمل بسرعة. لم يكن إعجابًا عابرًا هذه المرة، بل احترام حقيقي لرجل يتقن مهنته بامتياز.

بعد انتهاء التحضيرات ودخول المريض غرفة العمليات، وقفت سمر في الممر تلتقط أنفاسها. اقترب منها سامر وهو يخلع قفازاته المؤقتة:

القائمة
المحتوي
بحث
“نفذتي دورك كويس النهاردة، خصوصًا إن الموقف كان ضاغط.”

“شكرًا يا دكتور… خفت شوية بصراحة، أول مرة أشوف حالة زي دي قدامي.”

ابتسم سامر ابتسامة مطمئنة: “الخوف ده طبيعي، وهو كمان دليل إنك بتاخدي شغلك بجدية. اللي مبيخفش هو اللي محتاج ياخد باله من نفسه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *