ساكتة ليه 1
وقف سامر من بعيد يراقبها وهي تساعد في ترتيب الطاولات، تضحك مع الممرضات الأخريات، تتحرك بخفة رغم إرهاق يوم عمل طويل سبق الحفل. اقترب منها هيثم:
“يا سامر، إنت بقالك ربع ساعة واقف تتفرج على نفس النقطة. حد ملفت نظرك؟”
انتبه سامر لنفسه فجأة: “لأ، بس… تعبان شوية.”
ضحك هيثم بخبث: “تعبان وعينيك رايحة جاية على المتدربة الجديدة؟ يا سامر، أنا صاحبك من كذا سنة، تفتكر معرفش أقرا وشك؟”
توتر سامر: “بلاش سخافة يا هيثم.”
“مش سخافة، ده أنا مبسوط لك. من زمان مشفتكش بتبص لحد بالشكل ده. بس إنت عارف الموضوع صعب، صح؟ العيلة، المكانة، كلام الناس…”
صمت سامر، لأن كل كلمة قالها هيثم كانت صحيحة، وكانت بالضبط الأفكار التي يحاربها في رأسه كل ليلة.
—
خلال الحفل، وأثناء لحظة هدوء نسبي، خرجت سمر إلى الشرفة الخارجية للمكان لتلتقط أنفاسها بعيدًا عن الزحام. تبعها سامر بعد دقائق، متعللًا بحاجته للهواء أيضًا.
“مبسوطة بالحفله؟” سألها وهو يقترب.
“أيوه جدًا، أول مرة أحضر حاجة زي كده.”
وقف بجانبها، صمتٌ مريح يخيم بينهما، حتى قال بصوت هادئ لم تعتد عليه منه:
“سمر… أنا عايز أقولك حاجة من فترة، بس مش عارف أبدأ منين.”
نظرت إليه بقلب يتسارع: “قول يا دكتور.”
“مش عايزك تناديني دكتور دلوقتي.” ابتسم ابتسامة خافتة، ثم جدّية عادت لملامحه. “أنا… بحس إن فيه حاجة اتغيرت جوايا من يوم ما جيتي. مكنتش متخيل إني هقدر أحس بالإحساس ده تاني بعد لينا. وده مخوفني بصراحة، لأني مش عارف أعمل فيه إيه.”
شعرت سمر أن قلبها يكاد يتوقف: “أنا كمان يا دكتور..” ثم توقفت خجلة . “أنا كمان حاسة إن في حاجة بينا، بس خايفة أوي. إنت من عيلة كبيرة، وأنا… أنا بنت عادية جدًا. مفيش تناسب بينا.”
أمسك يدها بلطف، للمرة الأولى: ” أولاً أنا دلوقتي سامر وبس ، ثانياً التناسب ده كلام الناس، مش كلام القلب.”
بقيت سمر صامتة، دموع الفرح تكاد تخنقها، قبل أن تسحب يدها برفق: “أنا محتاجة وقت أفكر . مش عشان مش حاساك، بس عشان خايفة على الاتنين مننا.”
تفهم سامر، وابتعد قليلًا بابتسامة حزينة لكنها صادقة: “خدي وقتك اللي إنتِ عايزاه. أنا مش هستعجلك، بس عايزك تعرفي إن الكلام ده مش نزوة، ده أصدق حاجة قلتها من زمان.”
—
عادت سمر إلى بيتها تلك الليلة في حالة اضطراب شديد بين الفرح والخوف. جلست بجانب والدها الذي كان يشاهد التلفاز في هدوء: