ساكتة ليه 1

نظر إلى السماء الملبدة بالغيوم الداكنة: “ده شكله مش هيخف بسرعة. تعالي أوصلك.”

ترددت سمر: “لأ يا دكتور، معلش بلاش أتعبك.”

“ده في طريقي أصلاً.” كذب سامر بابتسامة هادئة، رغم أن بيته كان في الاتجاه المعاكس تمامًا.

ركبت سمر السيارة بتردد واضح، والصمت يخيم بينهما لدقائق. كسرت هي الصمت أخيرًا:

“شكرًا يا دكتور، بجد مكنش لازم تتعب نفسك.”

“مفيش تعب. بس قوليلي، إنتِ ساكنة فين بالظبط؟”

ذكرت له اسم الحي، فشعر بشيء من المفاجأة الصامتة؛ كان حيًا بعيدًا تمامًا عن عالمه، بسيطًا، مزدحمًا، لا يمت بصلة للأحياء الراقية التي اعتاد عليها. لم يعلّق، لكنه أدرك حينها بوضوح أكبر الفجوة الاجتماعية بينهما، فجوة لم يكن قد فكّر فيها من قبل.

خلال الطريق، سألها بحذر: “طيب فيه حد بينتظرك في البيت؟”

ابتسمت سمر بحزن خفيف: “بابا بس. أمي اتوفت من كام سنة، وبابا مريض قلب، فأنا بحاول أكون جنبه قد ما أقدر.”

شعر سامر بشيء يشبه الألفة تجاه كلماتها؛ فقدان يعرفه هو أيضًا، وإن كان بشكل مختلف. “أنا آسف على والدتك. وربنا يشفي والدك.”

“شكرًا يا دكتور. وإنت… خديجة قالتلي إنك فقدت زوجتك من كام سنة.” قالتها بحذر شديد، خائفة أن تكون قد تجاوزت حدًا ما.

توتر سامر للحظة، لكنه لم يشعر بانزعاج كما توقع من نفسه: “أيوه. من تلت سنين. لينا كانت… مختلفة. كانت بتحب الحياة بطريقة أنا نفسي معرفتش أتعلمها منها.”

“آسفة إني فتحت الموضوع.”

“لأ متتأسفيش، صراحة أول مرة من زمان أتكلم في الموضوع ده براحة كده.” ثم نظر إليها بصدق وتوقف عن الكلام.

نزلت سمر عند طرف حيها، شاكرة إياه، بينما بقي هو جالسًا في سيارته لدقائق بعد انصرافها، يستوعب ما قاله لتوّه، ويتساءل: “أنا فعلاً بدأت أرتاح لوجودها؟”

في اليوم التالي، وأثناء اجتماع عائلي على مائدة العشاء في فيلا السراجي، كانت نسرين تلاحظ تغيرًا واضحًا في مزاج ابنها؛ ابتسامة تظهر فجأة دون سبب، شرود ذهني غير معتاد.

“سامر، اللي واخد عقلك يا حبيبي؟” سألته وهي تقدم له طبقه.

“معاكي يا أمي، ليه؟”

“لأ، حسيتك بعيد شوية..” ثم أضافت بحنان: “بس والله شكلك أحسن من فترة، عينيك بقى فيهم حاجة كانت غايبة.”

تدخل فؤاد بعد أن مسح فمه بمحرمة الطعام:
“أهم حاجة إن شغله ما يتأثرش. المستشفى فيها مسؤوليات كبيرة يا سامر، وإنت الاسم اللي هيكمل بعدي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *