ساكتة ليه 2

لم يقل سامر شيئًا، فلا كلمات تصلح في لحظة كتلك. اكتفى باحتضانها بقوة، يمتص بجسده وقلبه انهيارها الكامل، بينما دموعه هو الآخر تنزل بصمت، تأثرًا بألمها وبذكرى فقدانه لزوجته.

بقيا هكذا لوقت طويل، في ممر المستشفى الفارغ في تلك الساعة المتأخرة، حتى هدأ بكاؤها قليلًا من شدة الإرهاق، وهي لا تزال متمسكة بقميصه وكأنها تخشى أن يفلتها العالم كله إذا تركته.

في اليوم التالي، تولى سامر ترتيبات الجنازة كاملة دون أن تطلب منه سمر شيئًا، متجاوزًا كل الحدود التي كان يضعها بينه وبين إظهار مشاعره علنًا. وقف بجانبها في كل لحظة من مراسم الدفن، صامتًا، حاضرًا، سندًا لا يتزحزح.

بعد انتهاء أيام العزاء، جلست سمر وحيدة في شقتها الصغيرة الخالية الآن تمامًا، تنظر حولها لتدرك أنها، للمرة الأولى في حياتها، بلا عائلة، بلا سند، بلا أحد.

طرق سامر بابها في المساء، حاملًا بعض الطعام الذي أصر أن تأكله:

“مش هسألك إنتِ عاملة إيه لأني حاسس بيكي.”
قالها بصوت هادئ وهو يدخل. “بس عايزك تعرفي حاجة واحدة: إنتِ مش لوحدك يا سمر. مهما حصل.”

نظرت إليه بعينين منهكتين من البكاء: “بابا كان آخر حد عندي يا سامر. دلوقتي أنا… مفيش حد.”

جلس بجانبها، وأمسك يدها بحزم: ” متقوليش كده. أنا معاكي، ومن دلوقتي مش هسيبك تواجهي أي حاجة لوحدك.”

لم تكن تلك مجرد كلمات مواساة، بل بداية قرار كان يتشكل بوضوح في عقل سامر منذ أيام.

## الفصل السابع

مرّ أسبوعان على وفاة والدها، وهي لا تزال تتحرك في حياتها كظل لنفسها القديمة. عادت لعملها بناءً على إصرار سامر أن الانشغال أفضل من الفراغ القاتل، لكن عينيها فقدتا بريقهما المعتاد، وابتسامتها التي كانت تنير أروقة المستشفى أصبحت نادرة.

كان سامر يراقبها عن قرب كل يوم، قلبه يتألم لألمها أكثر مما توقع، وقراره الذي بدأ يتشكل منذ ليلة العزاء صار أكثر وضوحًا مع كل يوم يمر.

في مساء أحد الأيام، وبعد انتهاء نوبتها، وجدت سمر رسالة من سامر يطلب فيها لقاءها في حديقة المستشفى الخلفية، المكان الهادئ الذي كثيرًا ما جلسا فيه يتحدثان بعد الفقد.

وصلت لتجده واقفًا هناك، وجهه يحمل جدية غير معتادة، وشيئًا من التوتر لم تره عليه من قبل.

“عايز أقولك حاجة يا سمر، وعايزك تسمعيني كويس قبل ما تردي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *