علي 5-6

هي… خرجت، أكيد راحت عند صاحبتها ولا حاجة. يوسف رفع حاجبه باستنكار: وده عادي يعني؟
تنفست رانيا بسرعة وقالت: أيوة… عملت كده عشان تحط الحق عليا، وتخلّي بدران يتعصب عشاني. أنا عارفة أفعالها كويس. وفجأة جه صوت تقيل من وراهم: هتعصب عشان مين… وليه؟ رانيا اتصلبت في مكانها، ولفت ببطء… لقت بدران واقف قدامهم، لسه راجع من بره، ونظراته كلها شك وغض,,ب مكبوت. في فيلا علي… وعد كانت قاعدة قصاده، ملامحها مجهدة من كتر البكاء. حكت له كل حاجة من غير ما تخبّي. قال علي وهو بينفخ دخان سيجارته ببطء:
عرفتي من إمتى إنها مش والدتك؟ قالت وعد بحزن عميق: أنا مش غبية لدرجة إني محسش… مشاعر الأمومة عمرها ما كانت موجودة. سكتت ثواني تكمل بصوت واطي: طنط فاطمة قالتلي شوية عن الحقيقة… كانت عايزة تريحني. بس مع كل ده… أنا مبطلتش أحبها. هي بتضايقني كتير… بس بتفضل هي اللي بقولها “يماما”. نظر لها علي بعينين جامدين، وقال: بس هي فعلًا مش أمك. بصّت له وعد بدهشة، كانت متوقعة يس,معها إنها امها وبلاش تفكر كده ويضبح الامر
زاد هو الطين بِلّة بصراحته القاسيه وقال: سهل عندك تحطي حد مكان أمك؟ ولا إنتي اللي ضعيفة بزيادة؟ وجع كلامه قلبها، وزعلت من حدته. أكمل علي ببرود: لو قالتلك الكلام ده، فتأكدي إن الموضوع مش سهل يعدّي. هي هانت بدران كمان… وهانتك إنتي. قالت وعد: بابا ملوش دعوة! هى بتحب بابا اوى ابتس,م على وقتها مفهمتش وعد نوع ابتسامته، رفع علي عينه فيها جدية غامضة وقال: متأكدة إن ده كل اللي حصل يا وعد؟ اتسعت عيونها، وقالت بصد,,مة:
بتكذّبني؟ هز رأسه وهو يطفئ السيجارة: لأ… بس بعمل حساب لكلام رانيا اللي ممكن تقوله لوالدك. قلب وعد وقع، وقالت بتوتر: قصدك إيه؟ هتقول لبابا إني كدابة؟ قال علي ببرود: مش بالظبط… هتقول إنها كانت مشادة بينكم. بدران هيضايق، وإنتي بطبيعتك هتسكتِ… لأنك مش بتحكي. قالت وعد – حاولت أحكي زمان… وملقتش حد أتكلم معاه. مد علي إيده، مسك وشها وخلاها تبص في عينه وقال دلوقتي حكيتي. معناته إن الحد ده بقى موجود. سكتت وعد، وفضلت عينيها معلقة في عينيه، كأنها لأول مرة تلاقي أمان. بعد لحظة… بعد علي عنها.
قالت وعد بسرعة كأنها خايفة يبعد عنها أكتر: أنا عايزة أقعد هنا… لو معندكش مانع. قال علي وهو بيتابع ملامحها بتركيز: مش عايزة ترجعي البيت؟ هزت راسها بالنفي. قال علي بهدوء: تمام… اطلعي نامي دلوقتي. ترددت، وقالت: أنام فين؟ رد بجديته المعتادة: اختاري الأوضة اللي إنتي عايزاها. بصّت له وعد وقالت بخجل واضح: فين أوضتك؟ اتسعت عينه من سؤالها، وهي بسرعة زودت: عايزة الأوضة اللي جنبك. فهم قصدها فورًا… وشاورلها بعلامة مختصرة. انسحبت من جنبه ببطء، وما زالت عيون علي الصقرية متابعاها وهي ماشية، كأنها جزء من سرّه اللي مش عايز حد يقرب منه.
بدران وقف يبص على يوسف ورانيا، الاتنين سكتوا أول ما شافوه. رفع حاجبه وقال بنبرة حادة: بدران: “مالكو ساكتين كده؟ أنا سامع صوتكو من عند الباب.” بص يوسف لأمه، وقال “قوليله يا ماما… عقبال ما نشوف وعد فين.” ومشي وهو متضايق، سايبهم ورا. بدران ركز على رانيا: بدران: “وعد مش هنا؟” رانيا (مترددة): “لا.” بدران: “أمال راحت فين؟ وكلام يوسف قصده إيه؟ انتي تعرفي حاجة يا رانيا؟” رانيا وقفت متجمدة مكانها، عينها مليانة قلق. بدران: “اتكلمي يا رانيا! وعد فين؟” رانيا : “مفيش يا بدران… خرجت وإحنا بنتكلم فجأة.” بدران: “راحت فين؟” رانيا: “أكيد عند صاحبتها… ما يوسف بيكلمها، متقلقش.”
سكت بدران، لكن ملامح وش ابنه مازالت في د,,ماغه، حاسس إن في حاجة مش مظبوطة. قربت رانيا منه، وحــ,,ـــــضنته بحنان مصطنع: رانيا: “أخليهم يحضرولك العشا يا حبيبي.” بدران فضل ساكت، جوه نفسه إحساس إن في حاجة مستخبية، وقال ببرود: بدران: “واكل برا.” رانيا حاولت تلطف الجو: رانيا: “طيب… هخليهم يعملولك قهوتك.” بص لها بدران من غير تعليق، واكتفى بإيماءة صغيرة، ثم طلع من غير ما يقول حاجة. في اليوم التاني، خرجت وعد من أوضتها. وهي ماشية في الطرقة، عينيها وقعت على أوضة علي، لقت بابها مفتوح. قربت بخطوات مترددة وبصت جوا… لكن ماكانش في حد. استغربت، وقلق غريب سيطر عليها.
نزلت تحت بهدوء، وفجأة س,معت صوت جاي من ناحية المكتب. قربت أكتر، ولما دخلت… شافت علي واقف بيتكلم في التليفون. علي بصوت واطي في المكالمة: “تمام يا بدران… أنا جايلك.” وقفت وعد مكانها، قلبها دق بسرعة وهي سامعة اس,م أبوها. علي لمحها بسرعة، قفل المكالمة وبص لها. وعد (بتوتر): “كنت بتكلم بابا؟” علي (بهدوء): “آه.” وعد: “قالك إيه؟ كان بيكلمك عليا؟” علي (بحزم): “لا.” سكتت وعد وبصت له بتركيز، تحاول تقرأ ملامحه. علي (بصوت جاف): “باين إنه ميعرفش بالخلاف اللي حصل بينك وبين رانيا… ولا حتى إنك مش موجودة في البيت.”
كلامه وقع على قلبها تقيل، كأنه بيكسر آخر خيط ليها مع أهلها. وعد (بصوت مبحوح): “لو كان عرف… أكيد مكنش هيكون هادي كده.” علي: “دي الحقيقة. هو معرفش… وأعتقد حتى لو قلتي، رانيا هتنكر.” بصت له وعد بعيون فيها وجع، وكأنها بتسلم باللي بيقوله. بعد لحظة سكتت، وبعدين قالت بصوت واطي متردد: وعد: “دلوقتي عرفت ليه مش عايزة أرجع البيت… أوقات بحس إنه…” وقفت عينها في عينه، كأنها محتاجة قوة تكمل كلامها. وبعد لحظة همست: وعد: “بحس إنه مش بيتي.”
سكت علي بعد كلامها، قام واقف قدامها بعينيه الساكنة اللي صعب حد يقراها وقال بهدوء: علي: “اقعدي هنا براحتك… لحد ما تكوني عايزة ترجعي.” اوم,,ات له وعد، ابتسامة صغيرة باينة في عينيها أكتر من شفايفها. وعد: “شكراً.” فجأة س,معت صوت رنين، بصت في تليفونها لقت يوسف بيتصل. رفعت عينيها تلاقي علي بيراقبها. علي: “يوسف رن عليا كتير قوي… وباباكي رن مرتين.”
بصت له وعد مرتبكة، لكن هو ماكانش مهتم يوضح أكتر. مد إيده وخد مفتاح عربيته. وعد: “إنت خارج؟” علي: “آه… عايزة حاجة؟” هزت راسها نافية بخجل. خرج علي وسبها في البيت الكبير، وصوت خطواته وهو ماشي لسه بيرن في ودانها. وقفت وعد وسط الصالة الواسعة تبص حواليها، إحساس بالغربة ممزوج بالفضول. كان نفسها تسأله “هترجع إمتى؟” بس لسانها عقد. عينيها راحت ناحية السلم، قلبها بيدق… جزء منها عايز يستكشف الفيلا، وأول حاجة شدت انتباهها كانت أوضة علي. بس الخ,,وف من العواقب خلاها تتراجع خطوتين.
… كان يوسف في جناحه، واقف في أوضته، ملامحه متضايقة. خبط محمود على الباب. محمود: “يوسف بيه…” فتح يوسف بضيق: “نعم؟” محمود: “البيه تحت بيسأل عنك.” تنهد يوسف: “نازل.” قفل تليفونه بسرعة وخرج. لكن بدل ما ينزل، لف على جناح أبوه وأمه. دخل لقا رانيا قاعدة في الصالون الخاص بيها، فنجان قهوة في إيدها وبتبص في الفراغ. يوسف (بلهجة لاذعة): “بترَيحي د,,ماغك يا ماما؟” رانيا (وهي ماسكة راسها): “د,,ماغي مصدعة من امبارح.” يوسف (بحدة): “ماما… وعد ما ظهرتش من امبارح! ومعرفش باتت فين ولا عند مين.”
رانيا (ببرود): “وأنا مالي؟” يوسف (بانفعال): “إزاي مالك؟ هي مش سابت البيت بسببك! مشيت وهي بتعيط.” رانيا (بلهجة دفاعية): “بسببي أنا؟ أنت عارفها بتحب تعمل شوية حركات عشان تصعب عليكم.” يوسف: “ماما، إنتي قولتلها إيه بالظبط؟” رانيا (متوترة): “مقولتش حاجة… خلاص بقى.” يوسف (ساخر): “تمام… على العموم بابا هيكلمني، وأنا هقوله اللي شوفته. وانتي بقى قوليله إنك مالكيش دعوة… زي ما بتقوليلي.” مدت رانيا إيدها تمسكه بسرعة. رانيا (بقلق): “استنى يا يوسف! بدران لو عرف هيزعل مني.”
يوسف (بصرامة): “ليه يعني؟ ما إنتي السبب في اللي حصل.”
رانيا (مترددة): “مش بالظبط… هي بس كلمتني بطريقة مش كويسة… وأنا اتعصبت. عارف إني بتعصب بسرعة.” يوسف (مشدود): “وبعدين؟” رانيا (بصوت واطي): “قولت كلام… غصب عني.” يوسف ضيق عينيه وهو بيبصلها مباشرة.
يوسف: “قولتي إيه يا ماما… بالظبط؟” قبل ما ترد، جه صوت بدران بينادي من تحت. يوسف اتوتر، بص لمامته وسبها ونزل بسرعة. لما وصل تحت، شاف علي قاعد مع أبوه.
يوسف (مستغرب): “عمي… إنت جيت إمتى؟” علي: “لسه جاي.” بص بدران حواليه بنظرة تقيلة.
بدران: “وعد فين؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *