رحلة اخويا 1

بابا قرب خطوة.

“يا بابا، بلاش تدخل.”

جدي وقف.

بص لابنه بنظرة خذلان هادية لدرجة إني كنت أتمنى لو زعق بصوت عالي أحسن.

“يا ميشيل، أنا ممتدخلش لما أخدت قرار غلط زمان. أنا بتدخل دلوقتي عشان إنت طالب من بنتك تعيش بالنتيجة دي وتسكت.”

وبعدين لف ناحيتي.

“يا حبيبتي، ممكن أسألك سؤال؟”

هزيت راسي.

“لستكي عايزة تحتفلي بتخرجك بامتياز؟”

زوري نشف.

“آه.”

“يبقى هنعمل حفلة ونحتفل.”

كريم طلع ضحكة مستفزة.

“بمين بقى؟ ما هو الكل اعتذر ومبقاش حد.”

جدي بص له مباشرة.

“بأي حد لسه فاكر الليلة دي كانت مفروض تبقى عشان مين.”

فتح تليفونه.

واللي حصل بعد كده خليني أفهم لأول مرة إن جدي مكنش مجرد بيحاول ينقذ حفلة.

هو كان رافض يخلي عيلتي تزور وتغير اللي عملوه بمزاجهم.

​اسمي نادين السوهاجي. كنت سنتين وعشرين سنة الصيف ده، لسه متخرجة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في الهندسة المدنية من جامعة القاهرة.

قضيت أربع سنين بشتغل وأتعذب عشان أوصل للشهادة دي اللي مكنش متأكدة هقدر أكمل مصاريفها ولا لأ.

كنت باخد محاضرات بدري، وبشتغل في مكتب هندسي محلي نص وقت، وأذاكر في الويك إند بينما أصحاببي خارجين بيتفسحوا.

مكنش عبقرية بالفطرة.

كنت لازم أتعب وأشقى عشان أي حاجة.

كان فيه ليالي بفضل قاعدة في مكتبة الكلية لحد ما تقفل، بحاول أحل مسائل معقدة كأنها متعمدة تكسرني.

وفيه صباحيات كنت بنزل من المذاكرة على الشغل على طول وأنا نايمة ساعتين تلاتة بالعافية.

بس كنت بحب اللي بتعلمه.

كنت بحب فكرة إن الرياضيات والتخطيط الصح ممكن يعملوا حاجة مفيدة للناس.

كبري.

تقاطع شوارع آمن.

مبنى الناس تقدر تعيش وتشتغل فيه من غير ما تقلق إيه اللي ماسكه وواقف بهالصلابة دي.

جدي كان فاهم ده أكتر من أي حد تاني.

قضى سبعة وثلاثين سنة شغال في قطاع الطرق والمرافق المحلية، بدأ عمال شق طرق وخلصها مشرف على مشاريع الصيانة في المحافظة كلها.

عمره ما خد شهادة جامعية.

بس كان يقدر يبص على مشكلة صرف صحي، يدرس ميل الطريق، ويقول لك المطر هيتجمع فين بالظبط قبل ما أول نقطة مطر تنزل أصلا.

لما كان عندي إحدى عشرة سنة، علمني إزاي أستعمل ميزان المية بتاع النجارين.

وقال لي جملة مفضلتش أنساها: “اوصيكِ.. متثقيش في أي حاجة لمجرد إن شكلها مستقيم.. قيسي‌ها بنفسك.”

وفضلت فاكرة الكلمات دي في كل مادة هندسية صعبة مرت عليا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *