ايد امي كانت بتترعش
نزل رأسه في الأرض وسكت.
وأنا مشيت وما بصيتش ورايا.
بعدها بشهر، قدمت استقالتي من الشركة. كنت شغال فيها بقالي 11 سنة، وكان عندي رعب قاتل من فكرة البداية من جديد.. بس كان عندي حاجة عمرها ما كانت معايا: فلوسي تحت سيطرتي، وراحة بال في بيتي، وأم طيبة لسه قادرة تقعد معايا على الصبح نفطر سوا.
أجرت محل صغير ولطيف على بعد شارعين بس من دكان أمي في العتبة. كان فيه شباك ألوميتال كبير بيلقط شمس العصر. حولته لكافيه صغير فيه 6 ترابيزات، بياع عيش وفينو، وقهوة بنكهات، وفطار مصري خفيف.
أمي أصرت إنها تقف معايا وتدهن الحيطان بنفسها.
— “يا أمي أنتِ كبرتي ومكملة 70 سنة، ينفع تقفي على السلم وتدهني بنفسك؟”
— “في الـ70 أعمل اللي يعجبني واللي يريح قلبي يا بنتي!”
قعدنا نضحك زي الأطفال، لحد ما الشمع والدهان طار على شعرنا.
يوم الافتتاح، جاتلي وهي شيلة قصرية زريعة ورد بوجنفيليا حمرا:
— “عشان تفضل قدام عينك، وتفتكري إن حتى الشجرة اللي حاسة إنها نشفت، ممكن تزهر وتخضر من تاني.”
حطيت الزريعة جنب الشباك الكبير.
أستاذ طارق الجبالي كان أول زبون يدخل الكافيه.
— “صاحبة المكان ترشحلي إيه النهاردة؟”
— “قهوة بوش مظبوطة، وحتة بسبوسة بالسمنة البلدي.”
— “يبقى هاتي طلبك ده فوراً.”
ما كانش فيه أي وعود غرامية ولا نهايات مسلسلات.. كان مجرد كلام هادي، وفنجان قهوة سخن، وإنسان بيحترمني وبيتكلم معايا من غير ما يحسسني إني قليل أو تحت الضرس. بالنسبة لي، ده كان بالدنيا وما فيها.
أمي بقت تبعتلي الزباين بتوعها بعد ما يخلصوا أكل من عندها:
— “روحوا عند بنتي في الكافيه، بتعمل قهوة أحسن مني ألف مرة!”
بعد 6 شهور، الكافيه بقى بيصرف على نفسه وبيجيب مصاريفه وزيادة.
في يوم المغربية، خالتي ماجدة جات وجابت معاها الفستان الكحلي اللي أمي كانت لابسه في عزومة عيد ميلادها الـ70.
— “البسيه يا أمي!”
— “ألبسه ليه يا بنتي؟ هو فيه مناسبة؟”
طلعت تورتاية صغيرة كنت شاريها، وكنت عزمت القرايب اللي وقفوا معان بجد وكانوا سند لينا.
وحطيت قدامها ظرف مقفول.
— “ده المبلغ اللي كنت عايزة أديهولك في اليوم ده وما عرفتش.”
أمي ما فتحتش الظرف.. سابته على الترابيزة وقامت حضنتني جامد:
— “أنا مش عايزة فلوس يا ماريانا.. أنا كان كل اللي يهمني في الدنيا إني أشوفك بخير ومكسورة العين.”