في اول يوم عيد
”ده اللي بيحصل لما الشخص اللي بيدفع الفواتير بيبطل يدفع.”
عينيها لمعت شرار.
”ليه تعمل فينا كده؟”
”أنا ما عملتش فيكم حاجة،” قلت بصوت هادي جداً. “أنا بس بطلت أعمل لكم كل حاجة.”
”بس ده بيتنا!” قالتها بقلة حيلة وضياع. “أنا وأبوك—”
”دي شقتي،” قلت. “قانونياً، ومالياً، وأخلاقياً. أنا اللي اشتريتها لما مكنتوش قادرين تشتروا. أنا اللي غطيت كل قسط. أنتي عمرك حتى ما سألتي القسط ده كام!”
”ده مش عدل!” همست. “إحنا ربيناك!”
”وأنا ردت لكم الجميل ألف مرة. اشتريت لكم بيت، دفعت أكلكم، صلحت عربياتكم، دفعت مصاريف كريم القضائية. اتريقتوا عليا وأنتوا بتاكلوا أكل أنا دافع ثمنه، وبتشربوا عصير أنا طالبه، ونايمين في سرير أنا حابزه، وبعد كل ده عندكم الجرأة تضحكوا عليا لما أجيلكم؟”
”مكنش قصدنا كده،” قالتها بسرعة. “ده كان تهزير! أنت عارف أخوك وبياخته.”
ملت لقدام.
”التهزير ده لما يكون الكل بيضحك وموافق. اللي عملتوه مكنش تهزير، كان تجريد لي من أي نقطة احترام مع انتظار إن أدفع الحساب برضه. وحتى كلمة شكراً ما قالتوهاش.”
ما ردتش.
كملت كلامي.
”فالموقف كالتالي: أنا اتكلمت مع المحامي. العقد باسمي. أنتي وأبويا سكان. قعدتوا هنا 5 سنين بلاش. الموضوع ده خلص خلاص.”
طلعت الظرف اللي كان معايا.
حطيته على الترابيزة.
ما لمستهوش.
”ده عقد إيجار،” قلت لها. “بسعر السوق، وفيه مهلة 30 يوم. تقدروا توقعوه وتبدأوا تدفعوا إيجار من أول الشهر الجاي، أو تفضوا الشقة خلال 60 يوم. اختياركم.”
عينيها اتملت دموع.
”عايز تطردنا؟ أهلك؟”
ما رمشتش.
”أنتم طردتوني من زمان أوي.. بس كنتوا بتسيبوا الفواتير عليا.”
بصت بعيد، وفكها بيلعثم.
”الناس هتقول إيه؟”
”دي مش مشكلتي خلاص.”
أخدت الظرف بكتفين بيلعثموا وقامت.
للحظة، افتكرت إنها ممكن ترميه أو تقطعه، بس ما عملتش كده.
بصت لي كأنها بتدور على ابنها اللي ما بقتش عارفاه.
”أنت اتغيرت.”
”لا،” قلت وأنا بقوم. “أنتي بس أخيراً شفتيني وأنا بطلت أمثل.”
خرجت من غير ولا كلمة ثانية.
الصبح، جالي مكالمة من كريم.
سبتها تروح للرسائل الصوتية.
رسالته كانت قصيرة.
”أمي قالت لي على اللي عملته. أنا مش عارف أقول إيه الصراحة.. أظن أنا آسف. مكنتش اعرف إن الموضوع وصل لكده. أنا هساعد في الإيجار.. بس بلاش تطردهم، ماشي؟”
ما رديتش على طول.
استنيت لحد يوم الاثنين وجاتلي مكالمة ثانية، المرة دي من أبويا.
ترددت أرد، بس الفضول كسب.
”ألو،” قلت.
سكت ثانية.
وبعدين بأوطى وأحن صوت سمعته منه طول حياتي، قال: “هنوقع العقد.”
ما رديتش.
سبته يقعد في السكوت ده.
”إحنا مكناش نعرف،” كمل. “كان المفروض ناخد بالنا.. ونعامل بشكل أحسن.”
”أنتم شفتوا اللي كنتم عايزين تشوفوه بس،” قلت. “أول ما الفلوس وقفت، افتكرتم اسمي.”
ما تجادلش، بس قال: “شكراً.”
وقفل.
في الويك إند، العقد جالي موقع.
من غير مجادلة، من غير تعديل، مجرد استسلام هادي.
وبيدفعوا في الميعاد من ساعتها.
مابنتكلمش كتير خلاص.
الأعياد بقت أهدى.
بقيت بقضيها مع مريم.
عملنا طقوس خاصة بينا.
رأس السنة في الساحل، وعيد الربيع في دهب، والعيد الكبير في أي مكان الطيران فيه رخيص.
مفيش ذنب، مفيش غل، مجرد ضحك وحرية.
ساعات بَعدي من قدام شقتهم.
لسه شكلها زي ما هو، بس مابقفش.
مش خلاص.
عشان اتعلمت حاجة هما عمرهم ما اتعلموها.
إن صلة الدم مش بتديك الحق في راحة بال حد.
وأوقات، أفضل حاجة تقدمها لعيلتك.. هي حدود ما يقدروش يتعدوها.