في اول يوم عيد
ودلوقتي مش لاقي صورة واحدة أنا مش واقف فيها ورا الكاميرا!
ولا كارت شكر واحد، ولا رسالة تقديير بعد ما الموضوع يخلص.
كنت بقول لنفسي زمان عادي.. المهم إني أساعد. العيلة مش محتاجة تقول شكراً. الحب معناه تدي من غير ما تستنى المقابل.
بس وأنا قاعد في المطعم ده، وبشوف رسائل الاستحقاق والتناكة بتنزل واحدة ورا التانية، اكتشفت حاجة.
ده مكنش حب.
دي كانت عادة.
هما اتعودوا إني أنا اللي بمول حياتهم.
اقتنعوا إن ده دوري في الحياة.
وأي اعتراض مني على الدور ده بيخليني شخص صعب وتقيل.
خلصت قهوتي، سبت تبس محترم، ومشيت على البيت.
على ما وصلت عمارتي، كان جالي رسالة صوتية ثانية، المرة دي من أبويا.
ما سمعتش صوته من أسابيع. نادراً لما بيكلمني. وحتى لما بيكلمني، صوته بيبقى أقرب لإلقاء الأوامر مش إنه بيطمن عليا.
بس الرسالة الصوتية دي كانت هادية.
مجرد 6 ثواني.
”كلمني يا علي،” قالها.
”أرجوك.”
بصيت للشاشة.
ودوست مسح.
ما نمتش الليلة دي.
مش عشان زعلان.
عشان مكنتش زعلان خالص.
كنت مستلقي على الكنبة بقلب في أبلكيشنات البنك، بطلع التحويلات التلقائية القديمة، وبمسحها واحدة ورا التانية.
فاتورة التليفونات بتاعتهم، تأمين العربية، الشيكات الشهرية اللي ببعتها عشان مصاريف البيت والمشتريات، اشتراكات قنوات الفلام اللي بيستخدموها باسمي، حتى أكونت بنك كليك اللي عملته لكريم لما زنق من 3 سنين ونسي يخرج منه.
كل تحويل كنت بلغيه كان بحس كأن عقدة في صدري بتتفك.
وقبل ما أقفل وأحاول أنام، شفتها.
الحاجة الوحيدة اللي ما لمستهاش لسه.
التمويل العقاري بتاع البيت.
مش بيتي أنا.
بيتهم هما.
كانت الساعة 2:03 بعد نص الليل لما فتحت الأبلكيشن ودخلت على حساب التمويل العقاري.
الشاشة نورت بالأرقام اللي حافظها.
القسط الشهري: 23,700 جنيه.
ميعاد الاستحقاق: يوم 14 من كل شهر.
الخصم التلقائي: مفعل من حسابي الرئيسي
.
بصيت فيها وقت أطول من المفروض.
صُباعي كان فوق زرار “إلغاء الخصم التلقائي” كأنه زرار تفجير.
دي الحاجة الوحيدة اللي كنت سايبها شغال.
حتى بعد اللقحات والتريقة، والطريقة اللي كانوا بيخلوني أحس بيها كأني غريب وسطيهم بالصدفة.
كنت بقول لنفسي هي أسهل كده.
إن لو سبتها تلغى، هيبقوا في خطر.
إن مهما عملوا فيا، مش هقدر أعيش بذنبي لو السقف اللي فوق راسهم وقع.
بس ده كان قبل عزومة العيد.
قبل النكت والتريقة.
قبل ما أمي ترفع كاسها وتعمل نخب لمرتبي كأنه ورقة يانصيب كسبوها سوا.
وقبل ما أشوف السهولة اللي بيضحكوا بيها عليا وهما بيمضغوا أكل أنا شاريه، ونايمين في سرير أنا حابزه، ومستغطين برافهية أنا دافع ثمنها.
هما مبيحبونيش.
هما بيحبوا اللي بديهولهم.
واللحظة اللي هبطل أدي فيها، هل اصلاً هيلاحظوا إني اختفيت؟
دوست إلغاء الخصم التلقائي.
تم التأكيد.
الزرار الأخضر الصغير اتقلب رمادي.
قشعريرة مشيت في جسمي.
مش خوف، ولا ذنب، مجرد صفاء ونقاء ذهني.
صفاء بارد بيصحي.
قفلت الأبلكيشن، حطيت التليفون، وقعدت في الضلمة شوية.
السكوت كان صوته عالي.
مش النوع اللي بيوجع.
النوع اللي بريحة الحقيقة.
لما الصبح طلع، التليفون كان على وضع “عدم الإزعاج”. ما قلبوش غير لما الشمس بدأت تدخل من الشباك.
17 مكالمة فائتة، عشرات الرسائل النصية، 3 رسائل صوتية، واحدة منهم من مدير الفندق.
شغلت الرسالة دي الأول.
”أهلاً يا أستاذ علي. بنأكد بس إن المجموعة بتاعتك عملت خروج الصبح بدري. كان فيه شوية لخبطة، بس كل حاجة اتظبطت. كان فيه شوية شكاوى من ضيوفك بس اتعاملنا معاها. شكراً لتعاملك معانا.”
تخيلت المشهد.
أمي نازلة للريسبشن بالروب بتاعها وتزعق.
خالتي عفاف بتطلب اسم المدير.
كريم بيتأفأف إنه عايز تأخير ميعاد الخروج.
وأنا مكنتش هناك.
ولأول مرة، مكنتش هناك عشان أصلح الخراء اللي بيعملوه.
بعدين فتحت الجروب بتاع العيلة.
أمي بعتت: “إحنا قاعدين في المطار، بفضلك طبعاً. أبوك هتفرقع من الغيظ. أنت فضحتنا وكسفتنا.”
كريم بعت: “أنت عملت نمرة جامدة أوي! فاكر نفسك بتلوي دراعنا؟ أنت بس بوظت الدنيا وخليتها بياخة. اعقل يا علي.”
خالتي عفاف بعتت: “أنا مش عارفة إيه الحركة اللي عملتها دي، بس أنت حرقت مراكب كتير. أحمد ربنا إن أمك لسه راضية تتكلم معاك.”
أبويا ما بعتش حاجة.
ولا كلمة، مجرد سكوت.
وده الصراحة كان أحسنه وأصدقهم.
قضيت اليوم لوحدي، نزلت مكتبة، قريت أول فصلين من رواية كنت عايز أبدأ فيها، اشتريت طلبات للبيت، قعدت على بنك في جنينة بسندوتش، واتفرجت على ولد بيحاول يطير طيارة ورق مع أبوه.
ولا مرة حسيت بوجع الذنب القديم اللي كان بيجيلي لما ببعد عنهم.
عشان المرة دي، البعد مكنش عقاب.
البعد كان حرية.
بالليل، وأنا بخلص العشا، جاءتني رسالة جديدة.
كانت من مريم، بنت عمي.
مكنتش اتكلمت معاها من سنة تقريباً. كانت طول عمرها بره العيلة وزيي كده.
آخر حاجة سمعتها عنها إنها عزلت وراحت محافظة تانية عشان تشتري دماغها.
رسالتها كانت قصيرة:
”سمعت باللي حصل. كان نفسي أعملها قبلك. كلمني لما تفضى.”
بصيت للرسالة شوية.