في اول يوم عيد
يوم السبت، دفعت ثمن رحلة يخت ومزرعة نبيذ وفواكه. خالتي عفاف وجوزها عم سيد جم معانا عشان، كالعادة، افترضوا تلقائياً إنهم معزومين.
خالتي أخدت بق واحد، لوت بؤها وقالت بقرف: “طعمه شبه العصير المضروب بتاع كشك السجائر.”
وضحكت على ألكس خفة دمها.
أنا كمان ضحكت.
أو على الأقل عملت الصوت ده عشان أعدي اليوم.
بالليل، كل واحد فيهم رجع لأوض الفندق اللي أنا دافع ثمنها. وأنا رجعت بيتي لوحدي.
وانا قاعد على طرف السرير، بقلب في صور اليوم على الموبايل، لاحظت حاجة.
أنا مش موجود في ولا صورة.
ولا واحدة!
قلت لنفسي مش مهم، مش قصة.
بكرة هيكون أفضل.
صبيحة العيد، صحيت بدري وروحت الفندق وجايب معايا فطير مشلتت من الريف وعصير طازة.
أمي أول ما شافتني داخل، لووت عينيها وقالت: “أهو.. الواد البتاع بتاع الدليفري وصل.”
محدش ضحك.
عشان محدش فيهم كان شايفها بتهزر اصلاً.
رجعت على بيتي، وظبطت الترابيزة بنفسي. كروت الأسماء، الورد، المناديل، السرافيس.
أمي لما شافت إني حاطط كارتها جنب أبويا، قامت مغيراني مكانها فوراً وحطتها جنب خالتي عفاف.
وقالت لي بتبكيت: “كان المفروض تسأل الأول، إحنا مش بتوع الجو ده.”
وبضه، بلعتها وسكت.
قطعت اللحمة.
وزعت الطباق.
صبيت العصير.
وبعد ما الكل قعد، رفعت كاسي.
”كل سنة وأنتم طيبين، أنا بجد مبسوط إننا اتجمعنا.”
كنت قاصد كل كلمة وبقولها بجد.
وده كان الجزء المكسف في الموضوع.
أمي بصت لي من فوق طرف الكاس بتاعها.
وبعدها جيه تعليق المحفظة.
خالتي كملت بنكتة الـ ATM.
كريم دخل بموضوع الضرائب.
وفيم هما لسه بيضحكوا، أبويا سند ظهره على الكرسي وبص على الترابيزة كأنه بيقول الإفيه اللي الكل مستنيه.
”يعني هيعمل إيه فلوسه؟ ما هو لا وراه بيت ولا عيلة يصرف عليهم، هيوديها فين يعني؟”
الكلمة دي نزل عليا زي الصاعقة.
محدش حس بالكسوف.
محدش قال له “عيب يا حاج”.
أمي حتى خبطت كاسها في كاس خالتي عفاف.
وكريم بص في تليفونه كأن الكلام بقى ملوش لازمة وممل.
وفجأة.. شفت الويك إند ده كله من برة خالص.
تذاكر رجال الأعمال.
الأجنحة الفاخرة.
العربية الفان.
رحلة اليخت.
الأكل.
العصير.
كل شكوى صغيرة حليتها قبل ما يلحقوا يكملوا كلامهم.
هما مكنوش مكسوفين من اللي أنا بعمله عشانهم.
هما كانوا شايفين إن ده حقهم المكتسب.
والأدهى والأمر.. إنهم شايفين الموضوع يضحك!
إيدي بالشوكة اتسمرت في الهواء فوق الطبق.
محدش لاحظ.
بصيت على أمي وهي بتمسح فتافيت وهمية من جنب بؤها. خالتي عفاف لسه مبتسمة. وأبويا إيده ممتدة للزجاجة عشان يصب تاني.
في حاجة جوايا هديت وسكتت تماماً.. هدوء مرعب.
نزلت الشوكة.
صوت خبطتها في الطبق كان هادي، بس بطريقة ما، الكل سمعه.
قمت وقفت.
الكلام اتَقطع.
ولأول مرة طول الويك إند، كل الوشوش اللي على الترابيزة اتلفتت لي.
الكاس كان لسه في إيدي.
ابتسامة أمي اختفت الأول.
وقالت: “في إيه؟”
بصيت في وش كل واحد فيهم.
كريم نزل موبايله.
حواجب خالتي اتجلبت فوق.
أبويا قعد مستني إيه اللي بيحصل.
أنا ابتسمت.
مش عشان حاجة تضحك.
قلت لهم: “بالهنا والشفا.”
البيت كله بقى ساكت سكون المقابر.
”عشان دي آخر لقمة هتاكلوها من خيري.”
للحظة، محدش عرف يرد.
كانوا بيصوا لي كأني فجأة خرجت عن السيناريو اللي هما كاتبينه لي من سنين.
أمي ضحكت ضحكة قصيرة مش مصدقة: “جرى إيه يا علي؟ بلاش دراما عالصبح.”
ما تناقشتش.
ما علتش صوتي.
ما بررتش نفسي.
لفيت ودموعي محبوسة، دخلت المطبخ وطلعت الموبايل من جيبي.
ورايا، سمعت صوت الكراسي بتتحرك.
كريم نادى على اسمي.
خالتي عفاف برطمت بكلام تحت ضرسها.
أمي نادت عليا بصوت أحدة المرة دي: “علي! أنت بتعمل إيه عندك؟”
فتحت الموبايل.
أبلكيشن الفندق اتفتح.
خمس حجوزات ظهروا على الشاشة.
كلهم باسمي.
كلهم مدفوعين بالفيزاتي.
نفس الأوض اللي كانوا قاعدين متهنيين فيها طول الويك إند، نفس الأوض اللي محدش فيهم تكرم وقال لي كلمة “شكراً” عليها حتى.
صباغي وقف فوق أول حجز ومسحه، في نفس اللحظة اللي الضحك ورايا كان اختفى فيها تماماً.
أنا علي، عندي 33 سنة. ولحد السنة دي، كنت صدقاً معتقد إنك لو اديت الناس وقت، وفلوس، وتسامح كفاية، في الآخر هيبطلوا يعاملوك كأنك حاجة مركونة على الرف—أو الألعن من كده، كأنك مجرد سبوبة أو مصلحة.
أنا مش متجوز، معنديش عيال، مجرد مهندس في شركة تكنولوجيا مرتبي كويس، قاعد في شقة هادية، وعندي عيلة مفككة لأقصى درجة. قضيت عمر طويل بحاول ألملم العيلة دي بفلوسي ومحفظتي.
عيد الربيع ده كان المفروض يكون مختلف.
ده الكلام اللي قلته لنفسي وأنا بحجز أوض الفندق للكل، 5 أجنحة فاخرة بالتمام والكمال في منتجع جنب الشاليه بتاعي في الجونة. حجزتهم كلهم باسمي ودفعت ثمنهم كاش ومقدم. حتى تذاكر الطيران أنا اللي دفعت ثمنها.
أمي اشتكت من كراسي الدرجة الاقتصادية، فقمت مرقي التذاكر لدرجة رجال الأعمال.
أخويا كريم قعد يتأفأف إن عربيات الإيجار الرخيصة بتتعب ضهره، فقمت حجزت لهم عربية فان كبيرة ومريحة. وعليها كمان: دفعت ثمن الأكل جاهز ومقدم—فخدة ضاني محمرة، خضار سوتيه، بيض ملون، وكل ما لذ وطاب.
حتى العصير والشوربة اللي طالعين فيها إنهم مش قادرين يشتروها—مع إن معندهمش أي مشكلة يبلعوا منها بالهبل لما يكون حد غيرهم هو اللي دافع الحساب—أنا اللي جبتها.
عملت كل ده في السكات، مش عشان مستني حد يطبل لي، بس عشان قلت يمكن المرة دي يشوفوني حاجة أكتر من مجرد “ماكينة ATM”.
يمكن، مجرد احتمال، يعاملوني كإبن، كأخ، مش كصفقة بيع وشراء.
وصلوا يوم الجمعة بالليل. روحت استقبلتهم بنفسي من المطار.
أخويا كريم أول حاجة سألها كانت: “العربية الفان دي فيها بلوتوث؟” أمي كانت ماسكة التليفون بتبعث رسائل الطريق كله. وأبويا مانطقش كلمة لحد ما وصلنا الفندق، بص عليه وقال بصوت واطي: “ممم.. مش بطال.”
كأنه بيقيم كنب مستعمل بيشتريه!
لا شكراً، لا أحضان، مجرد برطمة وشكوى من الجو.