صحيت الصبح في يوم من الأيام لقيت لافتة أحمر
”دي مش مجرد فسحة يا أمي. إحنا بنفكر في مستقبلنا كمان. شيرين عايزة تفتح مشروع، وأنا يفصلني طموح أرجع أدرس تاني.”
”ومستقبلي أنا؟”
ولا واحد فيهم رد.
وفجأة كلكس عربية ضرب بره.
هاني بص في ساعته.
”دي عربيتك وصلت.”
”عربيتي؟”
”اللي هتوديكي دار الصفا.”
قالها بمنتهى البرود وكأنه طالب لي أوبير يوديني أتغدى.
”إحنا خلاص دفعنا اشتراك ست شهور مقدم.”
بصيت حواليا في الصالة.
أباجورة تيتا.
كرسي فاروق اللي جنب الدفاية.
الصور اللي متعلقة على الحيطة.
خمسة وتلاتين سنة من الذكريات.
”وحاجتي هيروح فيها إيه؟”
شيرين هزت كتفها.
”الشتّايين كانوا عايزين البيت بفرشه. إحنا لمينا لك اللي هتجتاجيه بس.”
دورت وشي ناحية الباب.
شنطة هدوم واحدة صغيرة هي اللي محطوطة.
شنطة واحدة!
واضح إن دي الحاجة الوحيدة اللي اتكثفت فيها حياتي كلها.
بعدين سألت،
”هي مريم تعرف؟”
هاني بص لشيرين.
لممدة ثانية واحدة بس.
بس أنا لمحتها.
مريم، بنتي، عايشة في أسوان وبنتكلم مرتين في الأسبوع.
”مريم ليها حياتها،” هاني قال. “ما كانش في داعي ندخلها في الموضوع.”
الرد ده فهماني كل حاجة.
هما ما خبوهاش عن مريم عشان يحموها.
هما خبوها عشان عارفين إنها كانت هتوقفهم عند حدهم.
بصيت لابني.
”أبوك لو كان عايش كان هيبص لك بقرف ويعر منك.”
هاني اتنفض.
لمدة نص ثانية، شفت الولد الصغير اللي أنا ربيته.
بس شيرين لمست إيده.
فنشف وشده تاني.
شلت الشنطة.
”انبسطوا في أوروبا.”
ورحت طالعة وركبت التاكسي.
دار الصفا كانت ريحتها مطهرات، وأكل مستشفيات، ويأس.
أوضتي كانت يا دوبك أكبر من الدولاب.
سرير ضيق.
كومودينو صغير.
كرسي واحد.
وشباك بيبص على جراج العربيات.
أول ليلة دي، فضلت صاحية أسمع صوت الأسانسير في أخر الممر.
هاني غالبًا كان فاكر إن كل حاجة خلصت واتقفلت.
أمه واترمت.
البيت واتباع.
والفلوس بقت في جيبه.
وهو في طريقه لأوروبا.
بس كانت في مشكلة واحدة بس.
إنه استخف بيا وما قدرنيش صح.
عشان التوكيل اللي أنا فاكرة إني مضيت عليه كان محدود أوي.
قرارات طبية.
أوراق تأمين.
حاجات تخص مرض فاروق بس.
ما فيش فيه أي كلمة عن بيع أملاك.
والورقة اللي هاني وراهالي كان شكلها مش مظبوط.
الخط.
المسافات.
الورق نفسه.
حتى مكان إمضتي.
قضيت أغلب الليل بأسأل نفسي نفس السؤال.
هو معقول ابني يكون زور الورق؟
تاني يوم الصبح، اتعرفت على أبلة عواطف.
كانت قاعدة لوحدها في الفطار بتاكل بليلة وماسكة رواية.
في وسط الكلام، قالت لي إنها اشتغلت محامية ومساعد قضائي تلاتين سنة.
بعد الظهر، حكيت لها كل حاجة.
البيت.
الورقة.
دار المسنين.
ورحلة أوروبا.
أبلة عواطف نزلّت المعلقة ببطء.
”يا فيفي، ابنك غالبًا لعب في أوراق رسمية وزورها.”
”أقدر أثبت ده؟”
بصت لي بتركيز.
”على حسب.”
”على حسب إيه؟”
”فيكي حيل وعفرتة للحروب دي ولا خلاص؟”
ما ترددتش لحظة.
”عندي عفرتة أكتر ما هو يتخيل.”
أبلة عواطف ابتسمت.
”يبقى أنتي محتاجة محامي شاطر.”
كان اسمها الأستاذة ماجدة عبد السلام.
شديدة.
دغري.
وباين عليها مش بتبلع الناصبين اللي بيستغلوا أهاليهم الكبار.
لما قعدت أخيراً في مكتبها في وسط البلد، حطت ورقتين جنب بعض.
أصل التوكيل الرسمي.
والنسخة اللي هاني استخدمها عشان يبيع البيت.
قعدت تدرسهم كام دقيقة.
وبعدين رفعت عينها.
”الورقتين دول مش زي بعض خالص.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
شاورِت على أجزاء مختلفة.
”التنسيق متغيّر هنا.”
وبعدين على فقرة تانية.
”الجزء ده باين أوي إنه متضاف.”