صحيت الصبح في يوم من الأيام لقيت لافتة أحمر

​وبعدين عمل اللي كنت متوقعاه بالظبط.
​جه على بيتي.
​بعد ساعتين، لقيت خبط ورزع على الباب البراني.
​”يا أمي!”
​فضلت قاعد على كرسي فاروق.
​رزع تاني وأقوى.
​”يا أمي! افتحي الباب!”
​عديت ببطء لحد عشرة.
​وبعدين قمت.
​مشيت في الممر.
​وفتحت الباب.
​هاني وشيرين كانوا واقفين على العتبة.
​هدوم السفر الغالية بتاعتهم كانت متنعكشة ومكسرة.
​هاني كان ماسك المحاضر والأوراق القانونية في إيده.
​وشه كان أحمر زي الطماطم من الغضب.
​وشيرين كانت باصة كأنها شافت عفريت.
​”إيه القرف ده؟” هاني زعق.
​بصيت على الورق.
​”حمد الله على السلامة، نورتوا مصر.”
​شيرين برقت وهي باصة ورايا.
​”أنتي هنا إزاي؟”
​رفعت حواجبي.
​”أومال أكون فين يعني؟”
​”المفروض تكوني في دار الصفا.”
​”لا يا شيرين.”
​ابتسمت ابتسامة خفيفة.
​”ده المكان اللي أنتوا كنتوا عايزين تحبسوني فيه.”
​هاني زق الورق في وشي.
​”تزوير؟ استيلاء؟ أنتي بتعملي إيه بالظبط؟”
​اتنحيت على جنب.
​”اتفضلوا ادخلوا.”
​دخلوا البيت اللي كانوا فاكرين إنه خلاص ضاع واتباع.
​شيرين بدأت تبص حواليها ببطء.
​كرسي فاروق.
​الأباجورة الأنتيك.
​الصور.
​العفش.
​كل حاجة رجعت مكانها.
​هاني كان باين عليه الذهول.
​وبعدين الشياطين قامت في وشّه.
​”عملتي كده إزاي؟”
​مشيت ناحية المكتب بتاعي.
​فتحت الدرج.
​وطلعت ورقة واحدة.
​التوكيل الرسمي الأصلي.
​إدتهوله.
​”دي،” قلتها بصوت واطي ورايق، “الحاجة الوحيدة اللي أنا مضيت عليها فعلاً.”
​هاني بص تحت.
​عينيه مشيت على الصفحة.
​مرة.
​ومرة تانية.

​الغضب اللي في وشه اختفى فجأة.
​شيرين قربت منه.
​”مكتوب فيها إيه؟”
​ما ردش عليها.
​وشه بقى أصفر زي الليمونة.
​عشان الورقة اللي في إيده ما تديهوش أي حق إنه يبيع بيتي.
​ولا عمرها إدت له الحق ده.
​ودلوقتي هو عرف إن أنا عرفت.
​أنا ابتسمت.
​مش عشان الموضوع خلص.
​الموضوع ما خلصش.
​القضايا والنيابة دي كانت مجرد البداية بس.
​هاني وشيرين قضوا شهور فاكرين إنهم خدوا بيتي، وفلوسي، وقرارات حياتي مني.
​اللي هما كانوا على وشك يكتشفوه، إن أنا قضيت نفس الشهور دي بجهز لهم حاجة أغلى بكثير من مجرد الانتقام.
​العقاب والقانون.
​والورق اللي في إيد هاني ده كان أول مفاجأة بس من العيار الثقيل.
​مرت ست شهور كاملة من اللحظة دي.
​في يوم من الأيام، كنت قاعدة جنب الشباك بقرأ الجرنان، ولقيت باب عربية اتأبد بره. وبعديها ضرب الجرس.
​”يا أمي؟”
​كان هاني.
​”أرجوكي.. أنا عارف إنك جوه.”
​استنيت لحد ما خلصت الفقرة اللي بقرأها، وبعدين قمت وفتحت الباب.
​أول ما شفته، كدت ما أعرفهوش.
​كان باين عليه كبر في السن أوي، هدومه مكسرة، شعره محتاج يتقص، وهالات سودة كحلي حوالين عينيه. وشيرين ما كانش ليها أي أثر.
​”أهلاً يا هاني.”
​”ممكن أدخل؟ خمس دقائق بس.”
​ترددت ثانية، وبعدين اتنحيت على جنب.
​”خمس دقائق.”
​دخل ببطء وخطوة متلخبطة، مش زي الابن المترب الواثق اللي دخل عليا من شهور ماسك قراراته بيده. هاني ده كان خايف مش عارف حتى يستجرى يقف فين.
​”غيرتي البيت،” هو قال.
​”أيوه.”
​”شكله حلو.”
​”شكراً.”
​قعدت، وهو فضل واقف.
​”فين شيرين؟”
​فكه اتشد. “سابتني ومشيت.”
​”إمتى؟”
​”من تلات أسابيع.. رجعت عند أهلها.”
​لمحت إن دبلة الجواز مش في إيده.
​”زعلانة عشانك.”
​بص لي بنظرة تعبانة. “مش لازم تتظاهري يا أمي.”
​”أنا مش بتظاهر. طلاق أو نهاية جواز حاجة موجعة مهما كانت الظروف.”
​هز رأسه، وبعدين طلع ظرف بني كبير.
​”إيه ده؟”
​”فلوس.”
​استنيت يكمل.
​”سبعة عشر ألف وربعمائة جنيه.”
​بصيت له. “ليه؟”
​”دي كل الفلوس اللي معايا في الدنيا.”
​حط الظرف على الطرابيزة.
​”أنا بعت مضارب الجولف، وساعتي، والأجهزة اللي حيلتي، وأي حاجة أقدر أبيعها.. وشغال بقالي فترة في الفاعلية والمقاولات باليومية.”
​”وشغلك الأساسي جراله إيه؟”
​”اترفدت منه أول ما موضوع القضية والتزوير اتعرف.”
​”وشقتك؟”
​”راحت.”
​”عايش فين؟”
​بص للأرض. “في العربية.”
​في اللحظة دي، ولأقل من ثانية، حسيت بغريزة الأمومة المعتادة.. الرغبة إني أفتح له أوضة الضيوف، وأعمله أكل سخن، وأقوله كل حاجة هتتصلح.
​بس في نفس اللحظة افتكرت أوضة 207، والشنطة الصغيرة، ولافتة “تم البيع”.
​حافظت على هدوء صوتي: “أنت جاي ليه يا هاني؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *