صحيت الصبح في يوم من الأيام لقيت لافتة أحمر

​”عشان أديكي الفلوس دي.”
​”مش ده سؤالي.”
​غمض عينيه وقعد على طرف الكنبة. “أنا فهمت دلوقتي.”
​”فهمت إيه؟”
​”فهمت أنا عملت فيكي إيه.”
​ما نطقتش.
​كمل وهو بيبلع ريقه وصوته بيوطى: “أنا عرفت يعني إيه تحس إن التحكم في حياتك يروح منك.. إنك تصحى تلاقي نفسك في مكان عمرك ما خططت تكون فيه.. وإن ناس كنت بتثق فيهم يقرروا إنك ما تستاهلش تقف جنبهم.”
​صوته بقى واطي جداً: “أنا فهمت الجرم اللي ارتكبته.”
​”فهمت بجد؟”
​”أيوه.. طول الوقت بفكر فيكي وأنتي قاعدة في دار المسنين، في الوقت اللي أنا وشيرين بننزل فيه صور من فنادق خمس نجوم.”
​بلع ريقه بصعوبة: “حاسس بإحباط وقرف من نفسي.”
​”المفروض تحس بكده.”
​”عارف.”
​ما كانش في صوته أي حجة ولا دفاع ولا مبرر.
​”أنا عاملتك وكأنك عقبة في طريقي،” قالها وهو باصص لي. “أقنعت نفسي إني بساعدك عشان أحلل لنفسي اللي بعمله.. بس أنا ما كنتش بساعدك، أنا كنت بستغلك.”
​على مدار ست شهور، كنت بأسأل نفسي هل هاني هيستوعب الفرق ده في يوم من الأيام؟ ودلوقتي، أخيراً فهم.
​”والفلوس دي عشان إيه؟”
​”أنا سرقتك،” هز رأسه ناحية الظرف. “وهسدد لك اللي أخدته.. كل شهر، مهما أخد مني وقت.”
​”بالطريقة دي الموضوع هيقعد سنين طويلة.”
​”عارف.”
​مسكت الظرف، وبعدين حطيته تاني مكان. “الفلوس عمرها ما كانت أهم حاجة عندي.”
​كشر حواجبه: “أومال إيه؟”
​”الاحترام.”
​ملت لقدام: “أنت نسيت إني إنسانة.. افتكرتني مجرد (أمي)، كائن موجود بس عشان يدعمك ويسامحك ويخدمك وما يقفش في طريقك.”
​وطى عينيه للأرض.
​”أنت عمرك ما وقفت تفكر إن أنا (فيفي) كمان.. كان عندي جواز، وشغل، وأصحاب، وخطط، ورأي، وخوف، وحزن، وأحلام.. أنت اختصرت كل ده في كلمة واحدة.”
​”أمي.”
​”أيوه.. وفي دار الصفا، قابلت أمهات أهاليهم عملوا فيهم نفس الحركة.. يمكن مش تزوير ولا بيع بيوت، بس نفس الفكرة.”
​”فكرة إيه؟”
​”إن راحتهم الشخصية بقت أهم من كرسي وكرامة أمهاتهم.”
​فضل ساكت.
​”أنا اكتشفت إني مش جاهزة أختفي.. مش جاهزة أكون هواء عشان حد قرر إن سن اتنين وستين سنة ده كفاية أوي على إني أخد قراراتي بنفسي.”
​هز رأسه: “أنتي غلبتينا وطلعتي أذكى مننا بكتير.”
​”الموضوع عمره ما كان من يفوز ومن يغلب.”
​”بس أنتي عملتيها.”
​”عشان أنتوا استخفيتوا بيا.”
​ابتسم ابتسامة باهتة ومكسوفة: “دي حقيقة.”
​رجعت سندت على الكرسي. “إيه اللي حصل بينك وبين شيرين؟”
​”رمت اللوم عليا في كل حاجة.”
​”وأنت لمتها؟”
​”في الأول.. وبعدين اتنفست وعرفت إني أنا اللي أخدت قراراتي بنفسي.”
​الرد ده كان يهمني أكتر ما هو يتخيل.
​”أنا هقبل الفلوس دي،” قلت له.
​وشه اتغير وبان عليه الارتياح.
​”مش عشان السبعة عشر ألف جنيه دول هيرجعوا اللي اتكسر.”
​”عارف.”
​”أنا هقبلهم عشان كونك تعبت واشتغلت وجبتهم لحد هنا، ده معناه إنك بدأت تشيل مسؤولية أفعالك.”
​عينيه اتملت دموع: “أنا بحاول.”
​”المحاولة حاجة، والتغيير الحقيقي حاجة تانية.”
​”عارف.”
​”التغيير بياخد وقت.”
​”وعارف ده كمان.”
​تردد لحظة، وبعدين سأل بصوت متقطع: “تفتكري في أي أمل إن علاقتنا ترجع في يوم من الأيام؟”
​فكرت في السؤال بتركيز: “يمكن.”
​ملامحه اتغيرت.. مش فرحة كاملة، بس أمل.
​”بس مش هتكون نفس العلاقة القديمة.”
​”فاهم.”
​”لو عايزني في حياتك، لازم تتعرف عليا كـ إنسانة، مش مجرد (أمي) وخلاص.”
​”أنا مستعد أحاول.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *