في بيت مريم فيه ضيوف

—في بيت مريم فيه ضيوف. انتِ تقدري تعملي لنفسك أي حاجة بعدين.
​دي الورقة اللي لقيتها يوم 31 ديسمبر، على الساعة عشرة بالليل تقريباً، ملزوقة جوة التلاجة وهي فاضية تقريباً.
​الخط كان خط حماتي.
​جوزي بقاله ساعات مابيردش عليا.
​وفي اللحظة دي فهمت إن رأس السنة اللي فضلت أجهز فيها من الساعة سبعة الصبح مالمتش نفسها واختفت بالصدفة.
​أنا اسمي مريم، كان عندي خمسة وتلاتين سنة وعايشة في القاهرة. قعدت سنين أشتغل لحد ما كبرت شركة تنظيم الحفلات الصغيرة بتاعتي وبقت مشروع مستقر. الشقة اللي كنا عايشين فيها أنا ومصطفى، في المعادي، كانت ملكي أنا كمان: كنت شاريها قبل ما أتزوج بعد ما شقيت وجمعت فلوسها على مدار وقت طويل.
​في رأس السنة ده كنت عايزة أعمل حاجة سبسيال.
​—بلاش مطاعم ولا حفلات شغل —قلت لمصطفى قبلها بأسابيع—. السنة دي هنحتفل في البيت. ادعُ مامتك، ومريم أختك، وأي حد تحبه. عايزة سفرة كبيرة وعامرة زي اللي كانت بتعملها أمي.
​ابتسم مصطفى وقال:
—علشان كده بحبك. انتِ بتعرفي تخلي كل حاجة شكلها يجنن.
​الحاجة الوحيدة اللي ماعملتهاش هي إن ادعُ بابا، عم سيد.
​أمي كانت متوفية من سنتين، ومن وقتها وهو عايش لوحده. تحايلت عليه كتير يجي، بس رد عليا:
—انبسطي انتِ والشباب يا بنتي. أنا هعمل لي شوية حمص شام وأتفرج على التلفزيون وتمام قوي كده.
​أنا كنت عارفة إنه مش تمام ولا حاجة.
​الساعة عشرة الصبح جات ثريا، حماتي، وتقول إنها جاية تساعد.
​”مساعدتها” بدأت بإنها تنتقد كل صغيرة وكبيرة.

​السمك الفيليه فيه زيتون زيادة عن اللزوم.
​سلاطة الفواكه مسكرة زيادة.
​العرق الفيلتو المتبل كان المفروض يستوي بالطريقة بتاعتها هي.
​وإن المرار على الجبن، والمكسرات، والأزايز الغالية دي أفورة ومصاريف على الفاضي.
​—مصطفى إنسان بسيط —كانت بتكررها—. مش محتاج كل الفشخرة دي عشان يفرح.
​كل كلمة كانت تبان صغيرة، بس أنا كنت ببلع الكلام ده وبسمعه بقالي سنين.
​على الضهر اتصل بابا. لما ثريا عرفت إني بكلمه، قالت:
—تاني شاغلة بالك بباباكي؟ الواحدة لما تتجوز لازم تفهم إن أولويتها هي بيتها وجوزها.
​بصيت لها وقلت:
—بابا هو عيلتي برضه.
​ابتسمت ثريا بسخرية كأني عيلة صغيرة مش فاهمة حاجة.
​مصطفى سمع المكالمة وكالعادة عمل نفسه مش واخد باله.
​الساعة ستة المغرب رن تليفونه.
​كانت مريم، أخته.
​طلع مصطفى الصالة ورجع ووشه شايل هموم الدنيا.
​—الفرن عندها باظ.
​حطت ثريا إيدها على صدرها وقالت:
—يا لهوي! ده عندها يجي عشر ضيوف!
​أنا كملت رص المخبوزات والمقبلات.
—ممكن تطلب دليفري. المطاعم والخدمات شغالين عادي لسه.
​بصت لي حماتي برعب وقالت:
—تدفع فلوس في أكل وإحنا نقدر نساعدها؟
​ساعتها فهمت اللعبة رايحة فين.
​—مريم مجهزة أكل كتير قوي —قالت لمصطفى—. ممكن نأخد لها شوية سلاطات وحاجة من العرق الفيلتو.
​بصيت لجوزي وأنا مستنية يقول لأ.
​ماقالش.
​—إيه رأيك يا مريم؟
​ساب لي القرار عشان لو رفضت أبان أنا اللي شريرة وبخيلة.
​أخدت نفس عميق وقلت:
—خدوا شوية صغيرين. بس شوية صغيرين بس. إحنا كمان عندنا ضيوف.
​ده كان غلطتي.
​ثريا بطلت تمثيل وعياط في ثانية.
​طلعت أكبر علب وثلاجات حفظ أكل لقيتها.
​الأول اختفى نص السمك الفيليه.
​بعدها سلاطة الفواكه.
​بعدها المقبلات.
​لما لقيت مصطفى بيلف العرق الفيلتو كامل، وقفت قدامه.
—ده لأ.
​—مريم، عشان خاطري —همس—. مريم أختي في مزق.
​—وضيوفنا إحنا؟
​ردت ثريا قبله:
—انتم تقدروا تعملوا لنفسكم شوية جبنة أو ساندوتشات. مش هتموتوا يعني.
​وبعدها أخدت الحلو اللي قعدت أعمل فيه من بالليل.
—وده كمان. مريم بتحبه قوي.
​حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
—مصطفى، بص لي وقول لي إن اللي بيحصل ده طبيعي ومقبول بالنسبة لك؟
​وطى رأسه للأرض وقال:
—دي أختي يا مريم.
​—وأنا مراتك.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *